ابرز الأسباب الفكرية والثقافية لفشل الدولة


بهاء عبد الكريم طاهر ابرز الأسباب الفكرية والثقافية لفشل الدولة

إن ابرز المؤشرات الفكرية والثقافية تعد من اخطر المؤشرات التي تدلل على ضعف وهشاشة الدولة فإن الدولة تُعَدُّ فاشلة إذا تحلَّلت الروابط الفكرية والثقافية الأوليَّة التي تربط أفراد شعبها، والتي أنبنى عليها عقدها الاجتماعي؛ مما يؤذِن بتحلُّل الدولة نفسها ومن ثم تمحورت خصائص “الدول الفاشلة” حول عدد من المظاهر؛ لعل أهمها ثلاثة: عجزها عن الهيمنة على إقليمها، ومن ثم تبدُّد احتكارها للقوة الماديَّة التي تحفظ بها وحدة الإقليم؛ وثانيا تآكُل شرعيَّة السلطة وتخبُّطها وعجزها عن تنظيم موارِد الإقليم.
أولا: المؤشرات الفكرية
ويمكن تقسيمها إلى

  1. انهيار البنية التعليمية
    يعد التعليم أحد أهم الآليات في تكوين وتنشئة الأفراد على الحياة، والقدرة على التفكير والإبداع والنقد، لكي يكّون ويعد مواطنا قادرا على إعمال العقل إلى أقصى درجاته في التعاطي مع الحياة والواقع المعاش. وهذا ما يجب ان يكون ، اما ما هو كأن فيتضح لنا من خلال غياب الاستراتيجية الوطنية الحاكمة لعملية التعليم، أضافة الى إخضاع التعليم لرؤية الحكومة، وليس لرؤية الدولة، فمن المفترض أن الحكومة متغيرة، بينما الدولة ثابتة. ومن جانب أخر نرى انهيار وتهدم البنية التحتية للمؤسسات التعليمية بدأَ من التعليم الاولي وحتى التعليم الجامعي، وقدم الابنية ، هذه الاسباب اضافة الى اسباب أخرى تؤدي الى انهيار البنية التعليمة وعلى عدة مستويات منها الفكرية حيث يقوم التعليم على الطرق التقليدية التحفظية وليس الطرق الحديثة التحفيزية في التعليم وبالتالي تؤدي الى نتائج ابداعي . وفي النهاية انهيار المؤسسة التعليمية يؤدي الى انهيار الدولة في المستقبل وفق هذه المؤشر.
  2. ضعف الناتج الفكري
    إن النتاج الفكري يكون معدوم او شبه معدوم، ذلك لعدم اهتام الحكومات بهِ، وقلة عدد مراكز الدارسات الفكرية والتاريخية والسياسية بالإضافة الى أن ما موجود من مراكز دراسات فانهُ خاضع لسيطرة الدولة وعددها قليل لا يرتقي لحجم المتطلبات الحركة العلمية، إضافة اللى غياب او ضعف حركة الترجمة للكتب العلمية والثقافية فمثلا: أن سُكان الدول العربية الذين يتجاوز عددهم 270 مليون نسمة لا يترجمون سنوياً سوى 475 كتاباً، في حين تترجم إسبانيا التي لا يتجاوز تعداد سكانها 38 مليون نسمة أكثر من 10 آلاف عنوان سنوياً، والعكس صحيح فلا يوجد اهتمام عالمي بترجمة النتاج الفكري العربي كونه لا يرتقي الى مستوى النتاجات العلمية في دول العالم المتقدم، حيث أن أعداد الكتب العربية التي تترجم إلى لغات أخرى ضئيلة للغاية تعجز عن أن تتحول إلى ظاهرة ثقافة صحية؛ وعن تقرير التنمية الإنسانية العربية فإن متوسط عدد الكتب المترجمة في العالم العربي هو 4.4 كتب لكل مليون مواطن سنوياً، بينما يحظى نصيب كل مليون مواطن في المجر بنحو 519 كتاباً سنوياً، كما يبلغ نصيب كل مليوني إسباني في العام 920 كتاباً. وهذا واحد واهم مؤشر من مؤشرات ضعف الدول كون أن بناء بنية ثقافية قوية ومستقرة يؤدي الى بناء شعب مثقف و مستقر وبالتالي يؤدي الى بناء دولة حديثة تواكب الحياة العصرية.
    ثانيا. المؤشرات الثقافية
  3. انتشار الامية (الالكترونية)
    مصطلح محو الأمية من المصطلحات المألوفة لدى جميع الناس تقريباً، حيث تكاد لا تخلو بلد من وضع دورات وبرامج متخصصة لمحو الأمية، ولكن أصبح لهذا المصطلح مؤخراً مؤشرات عدة تطورت مع تطور العالم على مختلف الأصعدة، ونتعرف في هذه الورقة على كل من المعنيين التقليدي والحديث لمفهوم هذا المصطلح ومن هنا ينقسم مفهوم الانية الى نوعين
    أ. امية الأبجدية: وتعني عدم معرفة القراءة والكتابة والإلمام بمبادئ الحساب الاساسية ويعرف الإنسان الأمي بانه كل فرد بلغ الثانية عشرة من عمره ولا يلم الماما كاملا بمبادئ القراءة والكتابة والحساب بلغة ما ولم يكن منتسبا إلى مدرسة آو مؤسسة تربوية وتعليمية.
    ب. الأمية الحضارية (الالكترونية): وتعني عدم مقدرة الاشخاص المتعلمين على مواكبة معطيات العصر العلمية والتكنولوجية والفكرية والثقافية والفلسفية الايديولوجية والتفاعل معها بعقلية دينامية قادرة على فهم المتغيرات الجديدة وتوظيفها بشكل ابداعي فعال يحقق الانسجام والتلاؤم ما بين ذواتهم والعصر الذي ينتمون أليه مؤمنين في ذات الوقت بمجموعة من العادات والتقاليد والمعتقدات الفكرية والممارسات السلوكية والمبادئ والمثل الاستاتيكية الجامدة التي تتعارض وطبيعة الحياة المتجددة على الدوام والتوافق. وأن انتشار الأمية بنوعيها واحد من المؤشرات التي تدل على ضعف الدولة والعكس صحيح
  4. تراجع أو انهيار الثقافة
    إنّ المرءَ يقف اليوم مشدوهاً أمام مقولة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، التي رأى فيها: «إنّ الثقافة تزدهر في عهد انهيار الدولة»، وهي لم تتطابق مع حال زماننا. حيث شهدنا ونشهد انهيار العديد من الدول، ولم نشهد ازدهاراً للثقافة في هذه الدول. وهذه الدول ليست قليلة، ويأتي هذا نتيجة أن المؤسسات الثقافية هي تحت سلطة الحكومات فهي تعمل لصالح السلطة وليس مبينة على أسس صحيحة لتعزيز الاطر الثقافية لصالح الدولة لذلك لم نشهد في الدول الضعيفة نتاج ثقافي ونرى ان ما هو انتج هو ثقافة هشة تمجد السلطة، وليست ثقافة تقود الى التنوير كما هو في الدول الحديثة. وبالتالي نشهد ارتفاع او طغيان العادات والتقاليد القبلية (الفكر القبلي) لسود وتراجع الثقافات الحضارية المدنية ومن ثم انتشار الثقافات الفرعية على الثقافة والهوية الوطنية ، وتحل القبيلة محل الدولة في حل الخلافات وتوسوية المنازعات بين الافراد.
    تتراوح المؤشرات على فشل الدولة بين العامل السياسي و الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والفكري وكل مؤشر منها يشكل سببا موجبا لفشل الدولة كذلك شرط التدهور والتدني الحاد في تقديم الخدمات الشيء الذي نلاحظه بصورة بيِّنه في كثير من الدول، حيث الضعف في تقديم الخدمات، خاصة إن كانت أساسية ومهمة حيث لاتزال بعض الدول تسير على النمط التقليدي وهو منع بعض الخدمات عن المواطنين ليبقى شغل المواطن الشاغل هو الحصول على ادنى حقوقه لكي لا يتجاوز المطالب التي تراها الدولة فوق حاجته. لكنهُ يبقى المؤشرين الفكري والثقافي من اخطر المؤشرات حيث انهم يصبون البنية المجتمعية وثقافة المجتمع ومؤشراتهم لا تبرز الا بعد فترة طويلة، أما القضاء عليها او الحد منها يحتاج الى جهد و وقت وانفاق أموال كثيرة كون أن الثقافة والرقي بها يحتاج الى جيل او جيلين من أجل تعزيز الثقافة وبناء مؤسسات تنتج فكر يتناسب ورح العصر والدولة المدنية، اضافة الى أن المجتمعات تحتاج وقت طويل لكي تستوعب الثقافة والافكار الجديدة، خاصة اذا كانت من المجتمعات التقليدية التي تخشى وتخاف من كل ما هو جديد وبالتحديد في الدول الاسلامية، أذ يكون هناك تيارات من المتشددين تحارب الثقافات المدنية بدعوا أنها تهدد البنية الثقافية للمجتمعات الاسلامية .
    وقد يكون الضعف الفكر والثقافي نتيجة الهجوم الخارجي اي الهجوم او اسقاط الثقافات الخارجية على الداخلية من اجل اضعافها ومن ثم تدميرها، وهذا يأتي كنوع من انواع الحروب تعرف باسم الحرب الثقافية او الغزو الثقافي وهذا من اخطار انواع الحروب كونها أخطر انواع الحروب لأنها تهدف الى تدمير الانسان وقيمه وثقافته .



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.