اقتصاد الانتباه كأحد أشكال الثروة


حمدي سيد محمد محمود

في هذا العصر الرقمي، فإن انفجار المعلومات ظل يتسع أكثر فأكثر ليصبح الانتباه العامل المحدد في استهلاك المعلومات، فقدرة البشر العقلية محدودة، وبالتالي فإن تقبل المعلومات محدود أيضاً، فيستخدم الدماغ البشري الانتباه لتصفية المعلومات الأكثر أهمية من بين مجموعة هائلة من المعلومات.. لذا تسعى كافة نظم المعلومات من تطبيقات برمجية ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات إلى لفت انتباه وجذب اهتمام المستخدمين بكل الوسائل الممكنة للوصول إليهم والتأثير فيهم.

على الأرجح فإن “هربرت سيمون” الاقتصادي، والسياسي الأمريكي كان أول من تكلم عن مفهوم اقتصاد الانتباه في عام 1971، حيث شرح الأمر بقوله: في هذا العالم الغني بالمعلومات، تعني ثورة المعلومات ندرة شيء آخر: أي ندرة كل ما تستنفذه تلك المعلومات، وهو الاهتمام وانتباه الأفراد. هذا الفقر في الاهتمام “بمعنى آخر تشتيت الانتباه” الذي تخلقه وفرة المعلومات بحاجة إلى تحقيق التوافق بين الاهتمام والوفرة في المعلومات، أو بمعنى آخر، السعي لجذب الانتباه واستثماره لفترة أطول، وهو ما نشأت من أجله وتتحدث حوله مواضيع اقتصاد الانتباه.

ما يريد سيمون قوله أن مصممي نظم المعلومات أنشئوا أنظمة تقوم على توفير كم هائل من المعلومات دون تصفية المهم منها وذات الصلة بتلك غير المهمة وغير ذات الصلة، فلم يميزوا بين ندرة المعلومات وندرة الانتباه.. فالمعلومات تتزايد والمثيرات تتكاثر فيما التركيز ينخفض فيصبح المهم من الناحية الاقتصادية هو جذب الانتباه والاهتمام للترويج للسلع وتحقيق الأرباح.

يطبق مفهوم اقتصاد الانتباه بشكل واضح في الشبكات الاجتماعية، فإدارة المحتوى على الصفحات الشخصية للأفراد والمؤسسات، كذلك التفاعل مع أراء المشاهدين وتعليقاتهم، هو أحد التطبيقات المهمة لاقتصاد الانتباه في المجال الاجتماعي. وعلاوة على ذلك وفي شأن متصل بثورة المعلومات وانتشار الإنترنت، يطبق اقتصاد الانتباه في عمليات الترويج والإعلان، وفي رسائل البريد الإلكتروني. فنظام الإعلانات المدفوعة الذي تطبقه جوجل من خلال خدمات (Google AdSense) يتم بناء على علم باهتمامات الشخص المستهدف، هذا الاهتمام الذي تصنعه بنفسك من خلال تصفحك للشبكة العنكبوتية، وتدركه جوجل وفيسبوك ويوتيوب من خلال الخوارزميات التي صممتها خصيصا لهذا الغرض.

و وفقًا لخبير الثقافة الرقمية كيفن كيلي، فإن اقتصاد الانتباه الحديث يتنامى بشكل متزايد، بعدها وضع “مالكوم جلادول” في كتابه «نقطة الحافَّة»: (The Tipping Point) ثلاثة عوامل تسويقية لجذب انتباه الجمهور إلى بضاعتك أياً كانت فنية، أدبية، تجارية، سياسية. هذه العوامل هي: عامل الشكل المؤثر: أي شيء يحبه المستهلكون؛ عامل اللصق بالذاكرة: أي شيء يلتصق بذاكرة المستهلك؛ عامل قوة السياق: أي شيء يناسب السياق المكاني والزماني والملابسات المحيطة بالوضع.

الطريقة السابقة للإعلان في وسائل الإعلام التقليدية تفترض أن ردة فعل المستهلكين تمر بعملية تفاعل خطي من أربع مراحل: الانتباه، ثم الاهتمام، ثم الرغبة وأخيراً الإجراء أو التصرف. وفقاً لذلك، فالانتباه هو المرحلة الأولى والأهم في عملية تحويل غير المستهلكين إلى مستهلكين. نظرًا لأن تكلفة نقل الإعلانات إلى المستهلكين أصبحت منخفضة، وصارت يتم إرسال المزيد من الإعلانات إلى المستهلك (مثل الإعلان بالإنترنت) أكثر مما يمكن للمستهلك التعامل معه، أصبح انتباه المستهلك هو المورد النادر الذي سيتم تخصيصه. على هذا النحو، قد تعيق وفرة المعلومات عملية صنع القرار للفرد الذي يواصل البحث والمقارنة بين المنتجات طالما أنها تعد بتقديم أكثر مما يستخدمه.
وقد وضع المحرر والخبير في الثقافة الرقمية “كيفين كيلي” مجموعة من الاستراتيجيات أو الأمور غير الملموسة (Intangibles) تجعل من المحتوى ذات قيمة أعلى وأكثر قدرة على المنافسة وجذب الانتباه. وهي كالتالي:

  • الفورية (Immediacy)، أي توفير المعلومة أو المحتوى بشكل مباشر وفوري. مثل قيام مواقع الأخبار بإرسال التنبيهات أو الرسائل الفورية للأخبار العاجلة.
  • إضفاء الطابع الشخصي (Personalization)، وهو توفير المعلومة أو المحتوى بما يتناسب مع اهتمامات وتفضيلات المُتصفّح. مثل إظهار المزيد من المحتوى ذات الصلة.
  • التفسير والشرح (Interpretation)، وهو توفير الدعم والإرشاد وتفسير المعلومات المختلفة وتقديم المزيد منها. ومن الأمثلة على ذلك الدورات التعليمية، والمجتمع التفاعلي، والدراسات والتحليلات.
  • الأصالة (Authenticity)، أي توفير محتوى أصيل وحقيقي ومبتكر. مثل الصور والفيديوهات والمقالات والتعليقات التي يقوم المستخدمون أنفسهم بإنشائها على وسائل التواصل الاجتماعي.
  • سهولة الوصول (Accessibilty)، أي سهولة وسرعة الوصول للمحتوى أو المعلومة من خلال توفير التكنولوجيا الداعمة، مثل وجود تطبيقات الهواتف الذكية والاختصارات وسهولة الاستخدام.
  • التجسيد الفعّال (Embodiment)، أي تجسيد وإظهار المحتوى الإلكتروني بأفضل طريقة ممكنة وإضافة المزيد من الخصائص. مثل توفير قارئ للكتب الإلكترونية، أو توفير خاصية الاستماع للكتب والمقالات، أو توفير المحتوى على قنوات مشهورة.
    الحصول على الدعم (Patronage)، أي طلب الدعم المادي من المستخدمين والعملاء المؤمنين بالمحتوى المُقدّم.
    سهولة العثور على المحتوى (Findability)، أي العمل على جعل المحتوى ذات مرتبة عالية في نتائج محركات البحث المختلفة.

وختاما فإن اقتصاد الانتباه أصبح يمثل شكلاً من أشكال الثروة و أصلا من الأصول التي تمتلكها الشركات، والتي إذا رغبت في أن تبقى في السوق فليس أمامها إلا الالتحاق بواحد من أهم أنواع الاقتصاد الحديث، وهو اقتصاد جذب الانتباه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.