الاستخبارات العراقية ومدرستها الفكرية المخابرات العراقية


رياض هاني بهار

الثقافة الحديثة التي قوّضت كل الخرافات التي تؤمن بها الأنظمة الشمولية عن مفاهيم الاستخبارات، كان يمثل علم الاستخبارات لدى الكثيرين خطا أحمر لا ينبغي الاقتراب منه فضلا عن التعمق فيه.
لم تعد العلوم الاستخباراتية حكرا على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، فعقب مجموعة من الفضائح والإخفاقات التي منيت بها وكالات الاستخبارات في اماكن عديدة من العالم، وبالتوازي مع ذلك بدأت تنمو مدارس فكرية تسعى لتقديم إجابات عن مدى علاقة الأنشطة السرية بمعايير الحكم الديمقراطي، وتبلورت آنذاك مدرستان رئيسيتان لدراسة الاستخبارات.
المدرسة الأولى:
ترى أن الاستخبارات أصبحت أو على الأقل ينبغي أن تصبح فرعا من فروع العلوم الاجتماعية، بحيث تقوم بتحليل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية العسكرية، وتوقعها في نهاية المطاف وقد دعت تلك المدرسة إلى إزالة الغموض عن طبيعة عمل الاستخبارات، وتشجيع تدفق الأفكار بين أجهزة الاستخبارات والأوساط الأكاديمية، ومساعدة الاستخبارات على التقدم نحو الهدف المرجو بأن تصبح أشبه ما يمكن بعلم اجتماعي، ولتصبح وكالات الاستخبارات شبيهة بمؤسسات الفكر والرأي.
أما رؤية المدرسة الفكرية الثانية:
إن الغرض من الكتابة العامة عن الاستخبارات هو كشف الأخطاء، والمساعدة في إحداث تغيير للأفضل في الطريقة التي تعمل بها وكالات الاستخبارات، معتبرة أن الأسرار والخبايا التي قد تكشف أثناء ذلك أمر ثانوي مقارنة بالضرر الذي تسببه وكالات الاستخبارات نفسها عندما تعمل خارج نطاق الرقابة والتدقيق العام.
وبمرور السنوات، بدأت المؤلفات الأكاديمية والكتب والمجلات، والدوريات المتخصصة في مجال الاستخبارات بالتنزايد ومن بين تلك الدوريات (المجلة الدولية للاستخبارات والأمن والشؤون العامة) وهي دورية إسبانية بدأت في الصدور في عام 2006 كأول مجلة علمية إسبانية متخصصة في دراسة الاستخبارات. ثم أطلقت المجلة نسختها الإنجليزية في عام 2016
ان عمل الاجهزة الاستخبارية في النظام الديمقراطي مختلف تماماً عن النظام الشمولي، ان مهام الاستخبارات في النظام الشمولي هو من يمتلك المعلومة والقبض والتحقيق والايداع والمحاكمة … الخ من الاجراءات التعسفية، اما في النظام الديمقراطي لا يجوز لأي جهاز استخبارات ان يمتلك المعلومات والقبض والتحقيق والايداع والمحاكمة …
اما مدرستنا العراقية فهي هجينة ما بين المدرسة البريطانية ومدرسة الاتحاد السوفيتي المنحل وأخيرا المدرسة الامريكية فأصبحت مدرستنا وهي هجينة ما بين الشمولية والدول المضطربة وهذا التزاوج نتج منها مدرسة بلا لون ولا رائحة ولا طعم
وأصبحت الاستخبارات العراقية عرضة للمزيد من الانتقادات من قبل الساسة ومجلس النواب والاعلام والمواطن نتيجة لعجزها في مواجهة التحديات الامنية التي تعرض البلاد للخطر
وقد تركزت الانتقادات على المسائل التالية :

  1. الفشل المعلوماتي والعملياتي : وذلك بعجز أجهزة الاستخبارات في التنبؤ بوقوع اعتداءات إرهابية أو الافتقار إلى المعرفة والإمكانيات اللازمة للحيلولة دون وقوع تلك الاعتداءات.
  2. العيوب التنظيمية: مثل عدم تبادل المعلومات الاستخباراتية الوطنية مع غيرها من أجهزة الاستخبارات والدوائر المختصة واعتمادها هياكل تنظيمية لا تتناسب مع العصر وغياب الرؤية بإعادة تنظيم وإصلاح تلك الأجهزة.
  3. ارتكاب خروقات بذريعة مكافحة الارهاب: بما في ذلك انتهاك حقوق المواطنين في خصوصياتهم وعمليات الاحتجاز غير القانونية (وإساءة معاملة الموقوفين وتعذيبهم) واستخدام أساليب غير قانونية في التحقيق.
  4. اساءة استخدام الاجهزة الاستخبارية من قبل الحكومة السابقة: سخرها من بعض الحكومات السابقة بمراقبة تحركات الخصوم السياسيين بدلا من متابعة الارهابيين الذين يشكلون خطرا على البلاد، والأموال المهربة ومافيات تهريب النفظ وووووو

ولتصحيح المسار يتطلب
1-اصلاح الاستخبارات بتحديد مهام كل جهة وفق تشريعات واضحة السعي بالبرلمان لإصدار قانون (الاستخبارات الوطنية) (التفويض الاستخباري) بحيث يتطابق مع المعايير الدولية ، لان التعددية الاستخبارية بدون قوانين ناظمه لها اثار كارثيه على العراق ، لانهم لاعبين اساسيين ولا تحكمهم قوانيين وبدون رقابه برلمانيه ، الاستخبارات تتمتع بالشرعية اذا كانت تستند بعملها للقانون ، وتمتع بصلاحياتها من النظام القانوني القائم ، ومن دون هذا الاطار، ينعدم الاساس اللازم للتمييز بين الاعمال التي تنفذ من قبلهم ، وتلك الافعال التي يرتكبها الخارجون على القانون بمن فيهم الارهابيين، ولا يجب ان يشكل الامن الوطني ذريعة للتخلي عن سيادة القانون التي تسود في الدول الديمقراطية حتى في ظل احلك الظروف ، بل على العكس، يتعين ان تستند الصلاحيات الاستثنائية التي تتمتع بها الاجهزة الامنية الى اطار قانوني وان تعمل هذه الاجهزة في اطار نظام من الضوابط القانونية.
2-الاعداد المهني للضباط والمنتسبون واستحداث (معهد وطني للتطوير الاستخباري) بما يتلاءم مع التطور المعرفي للعالم المتمدن والابتعاد عن المفاهيم الساذجة لاستخبارات الاربعينات واستخبارات الانظمة الشمولية ، لكي يهيا كادر قادر على انتاج التحليلات اللازمة في المجالات التي تتعلق بالأمن الوطني، ويوفر التحذيرات المبكرة حول الأزمات التي تهدد الأمن الوطني، ويساهم في إدارة الأزمات الوطنية والدولية من خلال المساعدة على الكشف عن نوايا الجهات المعادية القائمة، توفير المعلومات الضرورية لوضع الخطط الدفاعية والعمليات العسكرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.