التعليم العمومي مواجها التعليم الخاص


مروى بن عبد الجليل

سعى أهل الاختصاص في البلاد التونسيّة إلى توفير إصلاحات ضمن المجال التربويّ التعليميّ. ومرّت البلاد بعدّة إصلاحات، نذكر أهمّها: إصلاح نوفمبر 1958 وإصلاح جويلية 1991 وإصلاح سنة 2002، ولا يخفى علينا أنّ هذه الإصلاحات لم تبلغ الهدف المنشود. وإلى يومنا هذا، يبحث رجال التّربية التّعليم عن إصلاحات تنقذ الأجيال الصّاعدة من هذا التدنّي في مستوى التّعليم، سواء على مستوى المضمون أو على مستوى طرق وسبل التّعليم.
وما زاد الطّين بلّة، ما عاشته البلاد التونسيّة بشكل خاصّ، والعالم كافّة بشكل عامّ زمن الكورونا ضاعف من حدّة الأزمة. إذ انقطع الأطفال عن مقاعد الدّراسة وتمّ انتقالهم من مرحلة إلى مرحلة أخرى آليا وتتالت فترات الانقطاع، فأدّى ذلك إلى ضعف تكوينهم العلميّ وتغيّر سلوكهم داخل المدرسة وحتّى نظرتهم إلى المعلّم أيضا، غاب عنها الاحترام والتقدير.
وسط هذه التّجارب السّابقة، والأزمات الصحيّة التّي عاشتها البلاد التونسيّة إذن نقرّ بأنّ التّعليم يعاني تدهورا في تكوين التّلميذ علميّا وأخلاقيّا. في المقابل، تفتح المدارس الخاصّة أبوابها لتعرض طرق وأساليب بيداغوجيّة حديثة ومبتكرة للتّعليم. فنجد أنّ أغلب الأولياء بدأت تسحب أبناءها من داخل المؤسسات العموميّة نحو المؤسسات الخاصّة، خاصّة فترة الكورونا، فإن أغلقت المدارس أبوابها فالمدارس الخاصّة استغلّت التّطبيقات الإلكترونيّة لمواصلة التّدريس، وهذا نال إعجاب الأولياء، وحمّسهم إلى دفع أموالهم نحو التّعليم الخاصّ، مكان مرموق، يوفّر الرّاحة لأبنائهم والتّعليم وفق طرق بيداغوجيّة ممتازة.
نضيف إلى ذلك أنّ المدارس تتميّز الخاصّة بكثافة ساعات التّدريس وجودة تعليم اللّغات الأجنبيّة، ومن المدارس من يدرّس بكتب مدرسيّة فرنسيّة (مثال Gafi). هذا إلى جانب توفير النّوادي والأنشطة الثّقافيّة.
كلّ هذا يساهم في تيسير تبليغ المعرفة والابتعاد عن وسائل التّلقين البدائيّة المملّة التّي ينفر منها التّلميذ، وترغّب التّلميذ في المدرسة، وتعلّمه احترام المعلّم والأستاذ، وتحافظ على حرمة المدرّس والمدرسة.
وبالتّالي، ينجح التّعليم الخاصّ في بلوغ التّعليم المنشود وفق طرق بيداغوجيّة حديثة ومتطوّرة دون التلكّئ في البحث عن حلول وطرق تيسّر التّعليم.
في حين أنّ الدّولة التّونسيّة عاجزة عن توفير جزء ممّا وفّره أصحاب المدارس الخاصّة، فلم تنجح في لإصلاح البنية التّحتيّة للمدارس وتوفير وسط تعليميّ مريح، ولم تنجح في توفير إصلاحات على مستوى الطرق والأساليب البيداغوجيّة.
فأصبحنا نعيش وسط مجتمع منقسم: شقّ ينتمي إلى التّعليم العموميّ البائس، وهذا الشقّ، منه من مازال يؤمن بمصداقيّة التّعليم العموميّ وأنّ المعلّم في التّعليم العموميّ هو الأقدر على تقييم التّلميذ وتكوينه تكوينا علميّا وبيداغوجيّا سليما.
وشقّ آخر، لا يقدر على تحمّل تكلفة التّعليم الخاصّ الباهظة، فيكتفي بالمدرسة العموميّة ويبحث عن الدّروس الخصوصيّة لتوفير التحصيل العلميّ الكافيّ لأبنائه.
فنحن أمام مدارس للعامّة، للطّبقة الفقيرة الكادحة، ومدارس للطّبقة الميسورة. ومعضلة عدم التّكافؤ بين الجهات في البلاد التونسيّة لم تعد الشّاغل الأكبر، فنحن أمام مشكلة أوسع، فنحن أمام فجوة تتّسع أكثر فأكثر بين أفراد المجتمع، وهذا سيعود سلبا في المعاملات الاجتماعيّة وسيضاعف من حدّة الطبقيّة الاجتماعيّة، وستواجه البلاد انعكاسات سلبيّة مستقبلا بسبب هذه الهوّة التّي تتّسع أكثر كلّ يوم.
إلى يومنا هذا، ما زالت البلاد تبحث عن حلول جذريّة لتوفير إصلاح تربويّ منشود، وها نحن في انتظار إصلاح جديد وُعدنا به سيظهر قريبا ما بين سنة 2023_2024، نأمل أن يحقّق الأمل المنشود.
في المقابل، يتنافس أصحاب المدارس الخاصّة في توفير أساليب بيداغوجيّة وتنشيطيّة حديثة لجذب التّلميذ، والغاية ماديّة أكثر من أن تكون غاية تعليميّة وتربويّة. وفي خضمّ هذا الصّراعات، تبقى مردوديّة التّعليم الخاصّ بفضل ما توفّره من وسائل حديثة أفضل بكثير ممّا تقدّمه المؤسّسات العموميّة. ولكن للأسف لن يتمكّن جميع أفراد الشّعب التّونسيّ من التمتّع بهذه الرفاهيّة في التّعليم، وكما يقال المثل العامّي: “كلّ قدير وقدرو”
فإلى متى سيظلّ الوليّ ينتظر الإصلاح التّربويّ المنشود؟ وهل سيحقّق الإصلاح الجديد ما حقّقه التّعليم الخاصّ في العقد الأخير؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.