التنمية وضرورة التغيير في البلدان النامية


رؤى الدرويش
باحثة بالشأن الاجتماعي

المتتبع لطبيعة النظم التي تنتهجها حكومات الدول النامية والتي تتسم بثبات سياساتها وعدم اتسامها بالحداثة، وتماسكها بالنماذج الكلاسيكية للإدارة، ورفضها كل ما هو جديد تحت ذريعة الحرص على تراثها وهويتها , ادى الى ارتفاع حالات الغضب الجماهيري في الكثير من هذه الدول على شكل احتجاجات واعتصامات و ثورات ضد هذه الأنظمة مطالبين بتغييرها أو إسقاطها.
ولقد كان القاسم المشترك بين جميع تلك الثورات التي حَدثت هو رغبة المواطن الثائر في خلق تنمية مستدامة باشكالها الثلاث (الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية).
ومما تجدر الإشارة إليه ان تحقيق نوع واحد فقط من التنمية دون الأخرى لا يعني أنَّ الشعب لن يطالب بالتغيير ، فمن الصعب جداً تحديد ما إذا كان شكل واحد من التنمية هو السبيل للتغير، بعيداً عن الأنواع الأخرى، فالتنمية في هذه الدول لا بد أن تكون شاملة حتى تكون سبيلاً ناجحاً للتغيير نحو الأفضل.
إنَّ مشكلة التغيير في الدول النامية تكمن في حيثيات السؤال السابق: (إلى أين تريد هذه المجتمعات أن تتوجه؟
إنَّه لدى معاينة الأوضاع التي تعيشها المجتمعات في الدول النامية يتبين أنَّها تسعى إلى إحداث (ثقافة تغيير برؤية استشرافية للمستقبل شاملة لنواحي الحياة كافةً. لكن المشكلة تكمن في أنَّ ثقافة التغيير حتى الآن لم تخرج من إطار السلوك الارتجالي والاندفاع العاطفي، ولا يزال التخطيط بأشكاله كافة غائباً عنها، وهو ما يفسر حالة الفوضى التي تعيشها الدول النامية، في الوقت الذي يتحتم على عملية التغيير أن تكون استراتيجية ومدروسة.
وهنا ما نعنيه بالتنمية هو تغير مقصود وواعي للهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القائمة في المجتمع لبلوغ مستويات أعلى من حيث الكم والنوع لإشباع الحاجات الأساسية لغالبية افراد المجتمع, وبالتالي فأنَّ من أهم الأسباب الداعية إلى التمسك بالتنمية في الدول النامية كسبيل للتغير هي انها في تصنيف الدول الأقل نموا. ً وبالتالي فهي بحاجة إلى التنمية بأشكالها المختلفة, لتكون السبيل الأمثل لتلبية رغبات المواطنين لأنَّه بواسطتها يمكن تحقيق الرقي الحضاري والعلمي والتقني وبناء مختلف قطاعات الدولة، وتحقيق الديمقراطية السياسية، والتنمية الاجتماعية التي تساعد على إزالة غشاوة التخلف والفقر و الانتقال من حالة اللارضى إلى حالة الرضى، فوقتئذ سيكون مستوى مدخول الفرد عالياً، وستكون الأنظمة الحاكمة ديمقراطية، وسيكون هناك وعي شعبي بالبيئة المحلية لتطوير المجتمع.
ان ما تعاني منه الدول النامية منها هو ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية و زيادة معدلات السكان مع انخفاض نسبة الذين يشاركون في النشاط الاقتصادي , كذلك النقص الحاد في الكوادر الوطنية نتيجة عدم توافر فرص العمل الملائمة لهم الامر الذي يضطرهم للخروج باتجاه دول أخرى , الكثير من الدول النامية تعاني من ضعف الإنتاج الصناعي، ودوام المديونية، وانتشار البطالة، وقلة المدخرات، والتفاوت في توزيع الدخل، وانخفاض في متوسط الدخل. و اخيرا التنمية الاقتصادية في الدول النامية تابعة منذ القدم للدول الكبرى، ولم تأخذ حتى الآن مسار مستقل ومؤثر في الاقتصاد.
اما على صعيد التنمية السياسية فان أبرز هذه المشكلات ,مشكلة ان اغلب حكومات الدول النامية احتكارية للسلطة تحكم من قبل نخب سياسية تحتكر السلطة السياسية وكل أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. عندها يكون الشعب بعيداً كل البعد عن المشاركة الديمقراطية في الحياة السياسية، الامر الذي يخل دائماً بمسألة التنمية السياسية فيها.
ففي أغلب الدول النامية هناك ضعف في البناء القومي وغياب مفهوم المواطنة بسبب ضعف الوعي والثقافة السياسية، وهناك ضعف في التكوين المؤسساتي للبنى السياسية. بالإضافة إلى انتشار ظاهرة الفساد السياسي و تهاون الصفوة في متابعة تحقيق العدالة و توزيع الموارد الاقتصادية المتاحة.
فيما يمكن حصر مشاكل التنمية الاجتماعية , بمشكلة ضعف المشاركة الجماعية في خطط التنمية بسبب هيمنة فئة معينة على مشاريع التنمية وبالتالي فهم دائماً يسعون إلى الاحتفاظ بمكانتهم لأطول فترة ممكنة ويحتكرون الامتيازات ويحولون الاستفادة من المشاريع الاقتصادية والاجتماعية لصالحهم، بالإضافة إلى المركزية في اتخاذ القرارات التي تتخذ على المستويات العليا دون مراعاة الأشخاص الموجودين في المستويات الدنيا.
يُضاف إلى ذلك انتشار الأمية، وانخفاض المستوى الصحي، وارتفاع معدل الوفيات، وارتفاع معدل المواليد، وعمالة الأطفال، وغياب دور المرأة في العملية الإنتاجية.
لذلك فأنَّ من أهم متطلبات التنمية الاجتماعية في الدول النامية لتكون سبيلاً إلى التغير إلى جانب التنمية الاقتصادية والسياسية ما يلي:
• تحسين فرص التعليم في الدول النامية ودفع الأفراد الى تحسين أوضاعهم الاجتماعية والتعاون والتضامن فيما بينهم للمساهمة في حل مشكلاتهم المشتركة. كما لابد من إمداد الفرد بالمعلومات والمهارات والاتجاهات الازمه لرفع مستواه في المجتمع وضمان تحقيق الحد الادنى للتعليم.
• المساهمة في تعديل نظام القيم والاتجاهات بما يتناسب مع الطموحات التنموية للمجتمع من خلال تعزيز قيمة العمل والإنتاج ودعم الاستقلالية في التفكير والموضوعية في التصرف.
• العمل على استقلالية المجتمع المدني وتفعيل دوره في الحياة العامة,و العمل على تفعيل مبدأ حقوق الإنسان وحمايته، من خلال التشريعات والقوانين والأنظمة وتطبيقاتها التي تضمن الحقوق الإنسانية والمدنية للإنسان.
• دعم الحياة الاسرية في الدول النامية مع توفير الضمانات الاجتماعية اللازمة لأفرادها.
• العمل على إحداث تغيير مقصود في سلوك المواطنين في إطار القيم والعادات الأصيلة لتحقيق نمو متوازن عن طريق استغلال إمكانات وموارد البيئة المحلية المتاحة أو التي يمكن إيجادها لمواجهة أعباء الحياة.
• أنَّ جوهر عملية التغير التي تأمل المجتمعات في الدول النامية في تحقيقها هو الحصول على معدلات نمو عالية، دخل مرتفع، أنظمة حكم ديمقراطية، تعددية حزبية، حرية الرأي والاعلام مع تطوير للأنظمة والمؤسسات و تحقيق إنجازات تنموية تعود بالإيجابيات على الطبقات الشعبية الفقيرة والوسطى.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.