العدالـة التشريعيـة…معيار لفاعلية البرلمان – الجزائرية للأخبار


احمد طلال عبد الحميد …… باحث قانوني .. العدالـة التشريعيـة…معيار لفاعلية البرلمان

لاشك لكي يكون التشريع فعالاً لابد أن يكون عادلاً، والعدالة حتى في توزيع الاعباء الاجتماعية وليسَ فقط العدالة في المعاملة والاجراءات الإدارية والقضائية، وبرغم كون مفهوم العدالة ذا بعد نسبي، إلاّ أنه يجب أن يسعى المشرع لتحقيق هذا المتطلب ليحظى برضا وقبول المجتمع وبالتالي ضمان فاعلية التشريع وضمان عدم موت النصوص التشريعية بعدم الاستعمال، وبرغم ارتباط فكرة العدالة في الشرائع القديمة ببعد ميتافيزيقي باعتبار أن العدالة هي رحمة الآلهة مهداة للبشر أجمعين وانها قوة عظيمة وسرمدية، إلاّ أن لفكرة العدالة في ذات الوقت أبعاد قانونية ففكرة العدالة أرتبطت بفكرة القانون وشكلت أساساً قوياً للقوانين القديمة وأرتبطت بفلسفة الحكم وسيادة القانون والعدالة القضائية ، والحقيقة أن للعدالة مفهوم نسبي ومتطور ويختلف باختلاف الزمان والمكان وباختلاف الاراء والافكار الفلسفية السائدة في مجتمع ما، مما يتعذر اعطاء تعريف جامع مانع لمفهوم العدالة، إلاّ أن المفهوم العام المتفق عليه يعني مبادئ الانصاف التي يمليها الضمير ويكشف عنها العقل السليم وتشكل المثل العليا والقيم التي لا تتغير وهي قواعد مشتركة بين الامم والشعوب وهي مرتبطة بالقانون الطبيعي ، وكذلك تعني العدالة اجتهاد القاضي وفق أسس موضوعية لا وفق معتقداته الشخصية فيحكم وفق ما تمليه عليه قواعد المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد ميز بعض الفقهاء ما بين مبادئ العدالة التي تعني الشعور بالانصاف الذي يقتضي تطبيق مبادئ القانون الطبيعي مع مراعاة ظروف الاشخاص وجزئيات الحالات واطلقوا عليها تسمية القانون الطبيعي الثانوي أو التطبيقي، واطلقوا على المبادئ السامية العامة المشتركة بالقانون الطبيعي الأولي أو المبدئي في حين ربط المفكر الفرنسي اوجست كونت (A . Comte) بين مفهوم العدالة والظواهر الاجتماعية والقانون، إذ يرى أن المجتمع الانساني يحكمه قانون يسمى بقانون (المراحل الثلاث) وهذا القانون يتلخص في كون المجتمع يمر بثلاث مراحل هي : المرحلة الأولى : وهي المرحلة اللاهوتية، وهي المرحلة التي يفسر فيها الانسان الظواهر تفسيرات دينية، والمرحلة الثانية : هي المرحلة الميتافيزيقية عندما يعزو الانسان تلك الظواهر إلى الغيبيات والافكار الخيالية والى ما وراء الطبيعة، والمرحلة الثالثة : هي المرحلة الوضعية عندما يفسر فيها الانسان الظواهر بطريقة واقعية ويبحث عن السبب العملي للوقائع وتعد المرحلة الأخيرة أرقى مراحل تدرج التفكير الانساني لانها تمثل نضج العقل الانساني وهذه المراحل تنعكس بطبيعة الحال على فلسفة القانون، لذا نجد أن المرحلة الأولى سادت فيها السلطة الدينية المطلقة، والمرحلة الثانية ظهرت نظريات ذات أبعاد خيالية كنظرية العقد الاجتماعي ونظرية سيادة الامة، في حين تمثل المرحلة الاخيرة، المرحلة الوضعية وهي مرحلة ظهور الافكار الحديثة في أهمية العلاقة بين القانون والمجتمع وأن المجتمع يحكمه في الاصل روابط اجتماعية قبل أن تكون روابط قانونية، وان القانون إذا لم يكن عادلاً يبقى ضابط الاخلاق الاجتماعية هو البديل لحكم العلاقات الاجتماعية ، وبالتالي نجد ان المدرسة التاريخية (الواقعية) ذهبت إلى أن القانون ليس من خلق المشرع بل أن القانون حقيقة اجتماعية يرتبط بالبيئة الاجتماعية ويتطور بتطورها لانه نابع منها ، ولذلك فإن مفهوم العدالة ينسجم مع فكرة الروابط الاجتماعية التي اعتبرتها بعض النظريات بديلاً للقانون، فكلما كان القانون عادلاً كلما كان ممكن تطبيقه لانه لا يتعارض مع الأعراف والروابط الاجتماعية بل يعمل على حمايتها وبالتالي فإن عدالة القانون ستعمل على تفعيل هذا القانون، ولذلك فإن من اولويات الاصلاح التشريعي هي دراسة البيئة الاجتماعية للفئات أو الطوائف المستهدفة من القانون ودراسة مدى تأثير هذا القانون المستقبلي عليهم لضمان فاعليته، وهنا تبرز فكرة البعد الاجتماعي للقانون، فالقانون الفاعل هو القانون الذي يولد من البيئة الاجتماعية، والبرلمان الجيد هو البرلمان المتواصل مع المجتمع ويمكن أن نصفها بأنها برلمانات صالحة ذات تشريعات جيدة لأنها حققت غرض (الفعالية التشريعية)، ويلخص الاستاذ (فولر) فكرة العدالة التشريعية بما يعرف بالاخلاق الداخلية للقانون
، بأن هنالك معايير تقاس بها الاخلاق الداخلية للقانون ومن ثم اذا توفرت هذه المعايير فإن القانون يعد مقبولاً وعادلاً وهذه المعايير تتمثل في (عمومية التطبيق، ان يتصل بعلم المخاطبين بصفة مباشرة، ان لا يطبق بأثر رجعي، عباراته واضحة ومتسقة وغير متناقضة، ممكن التطبيق ويتناسب مع مقدرات البشر وأوضاعهم الاجتماعية، وأن لا يتم تغييره بصورة مفاجئة، وان يكون متفقاً مع القوانين السابقة) ،إن فكرة العدالة التشريعية كمعيار لفاعلية التشريع ترتبط أرتباطاً وثيقاً بفكرة الامن القانوني التي تتطلب وجوب ضمان حد أدنى من الثبات والاستقرار للعلاقات القانونية سواء اكانت هذه العلاقات بين الأفراد بعضهم البعض او بينهم وبين الدولة وسواء اكانت أطراف هذه العلاقة من الاشخاص الطبيعية أم من الاشخاص المعنوية ، ولا شك ان ثبات واستقرارات العلاقات لابد وان يبنى على أساس العدالة والمساواة بين اطراف العلاقة لان العدالة – في غايتها – لا تنفصل علاقتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفاً إلاّ إذا كان كافلاً لاهدافها، فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، واهدر القيم الاصيلة التي تحتضنها، كان منهياً للتوافق في مجال تنفيذه ومسقطاً كل قيمة لوجوده ومستوجباً تغييره أو إلغاءه ، ويلاحظ على بعض التشريعات العراقية قد صدرت فاقدة لبعدها الاجتماعي غير مكترثه للروابط الاجتماعية والحقت الاذى ببعض الشرائح في المجتمع تحت ذريعة المصلحة العامة ومن ذلك قانون تعديل قانون التقاعد الموحد الذي قلص سن التقاعد الى (60) سنة والحق ضررا بالغاً بفئة واسعه من الموظفين بحجة توفير الدرجات الوظيفية لتعيين الخريجين ، في حين تتمتع فئات اخرى من الموظفين كموظفي الدرجات الخاصة والنواب والرئاسات الثلاث برواتب عالية ومخصصات يفوق العائد المتحقق من تقليصها العوائد المتحققة من احالة هذه الفئة على التقاعد ، وهذا يؤشر اخفاق مجلس النواب العراقي في تحقيق معيار العدالة التشريعية بسبب الارتجالية في التشريعات التي تفتقر لدراسات اثر التشريع والابعاد الاجتماعية للفئات التي سيطبق عليهم التشريع ، ندعو مجلس النواب العراقي في حال انعقاده مستقبلاً في ظل هذا الاضطراب السياسي والدستوري الى تبني معايير انموذجية للتشريع منها مبدأ العدالة التشريعية ، والله الموفق.
د.احمد طلال عبد الحميد البدري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.