الفقر صناعة يجنى أرباحها الأغنياء (2)


الفقر صناعة يجنى أرباحها الأغنياء (2)

عمرو إمام عمر

مدخل

من أكثر المشكلات التى تواجه بلداننا المتخلفة عن الركب العالمى – الغربى بالتحديد – هو فى تعدد الأنماط الإنتاجية و عدم إندماجها فى تشكيلة أجتماعية و أقتصادية واحدة ، كذلك عدم الاستغلال الجيد لمصادر الثروة الطبيعية من معادن و تربة و مياه سواء كانت عذبة أو مالحة ، و بالتالى اثرها فى العملية الإنتاجية ، و الأنشطة الاقتصادية الخدمية المكملة لها من أعمال بنكية و تمويل كعنصر متحكم فى عمليات الإنتاج والاستهلاك ، من هنا جاء علم الجغرافيا الاقتصادية ، فمهمة هذا العلم هو دراسة العلاقات بين الاقتصاد و المكان الجغرافى من أشكال و مميزات للسعى للوصول إلى أفضل صيغ استغلال الطبيعة المكانية و تنظيم الأشكال الوظيفية للتركيبة الاقتصادية ، لذا فالجغرافيا الاقتصادية تسعى إلى دراسة و تحليل النقاط التالية : –

  1. كيفية استغلال الإنسان لمصادر الثروة الطبيعية من تربة و مياه و معادن
  2. إنتاج السلع فى كافة أشكالها الزراعية و الحيوانية و المعدنية ، كذلك السلع المصنعة
  3. دراسة عمليات نقل المواد الخام أو السلع المصنعة و سهولتها
  4. الجوانب الخدمية من أعمال بنكية و تمويل كعناصر متحكمة فى عمليات الإنتاج و أنماط الاستهلاك

لقد مر علم الجغرافيا الاقتصادية بمرحلتين أساسيتين ففى البداية أهتم بعمليات توزيع الإنتاج و أطلق عليه الجغرافيا التجارية و ارتبط هذا بالفترة المركنتيلية(1) و أهتم بتقسيم العالم و توزيع أنتاجه توزيعاً محصولياً ، و مع بداية عصر الانقلاب الصناعى بدأ يهتم بمبدأ السببية و على ضوئه بدأ تفسير ازدهار الصناعة فى بلد ما ارتباطاً بوجود مصادر للثروة المعدنية و الطاقة المحركة و إنتاجه من المحاصيل الزراعية ، و لكن مع زيادة وتيرة التطور العملى و التكنولوجى خاصة مع بدايات القرن العشرين أنتقل علم الجغرافيا الاقتصادية إلى مبدأ اكبر و اشمل هو التفاعل المتبادل بين المكان و طبيعته و الإنسان و دراسة مدى تأثير هذا التفاعل ، وقد ظهر فى تلك الفترة مصطلح ”الأقاليم الاقتصادية“ على أساس تقسيم المناطق الجغرافية بحسب تقدمها الاقتصادى ، كما تم تقسيم مراحل التطور الاقتصادى تاريخياً إلى الشكل التالى : مرحلة الصيد و الجمع ، مرحلة استخراج المعادن ، مرحلة الرعى البدائى و المتقدم ، مرحلة الزراعة ، مرحلة الصناعة ، و أخيرا مرحلة التجارة و الخدمات ، و قد أهتمت المدرسة الحديثة فى الجغرافيا الاقتصادية بدراسة العلاقة بين العمليات الاقتصادية و المكان ، من خلال تقسيم سطح الأرض إلى أقاليم اقتصادية لدراسة أشكال و مميزات تلك الأقاليم …

الإنتاج و تحولات الأنماط الحياتية
كما ذكرت فى الحلقة الأولى فالاقتصاد السياسى يهتم بالأساس بدراسة القوانين الاجتماعية التى تؤثر على العملية الإنتاجية ، فالإنسان فى حاجة دائمة لإشباع احتياجاته حتى يستطيع العيش ، و هنا قد تكون حاجات الإنسان فردية أو جماعية ، و تنقسم أيضا بين حاجات مادية و معنوية ، فالأشياء المادية مثل المنتجات الزراعية و المنتجات المصنعة ضرورية لإشباع حاجات الإنسان الحياتية و أطلق عليها مصطلح ”السلع“ ، و لإنتاج تلك السلع وجب على الإنسان أن يتعامل مع الطبيعة وأن يحاول ترويضها حتى يستطيع إنتاج ما يحتاج من المنتجات ، ليظهر مصطلح آخر و هو ”العمل“ ، فأصبح على الإنسان لكى يحصل على أحتياجاته من السلع أن يعمل ، و عن طريق هذا العمل يتفاعل الإنسان مع الطبيعة التى يعيش فيها ، و من هنا أصبح على الإنسان أن يشكل أدواته التى يعمل بها حتى يستطيع ترويض الطبيعة التى يعيش فيها لينتج من خلالها أحتياجاته ، و عملية الإنتاج هى عملية اجتماعية ، على الرغم إن الإنسان الأول بدأ حياته منفرداً تقريبا إلا أنه سرعان ما بدأ ينتظم فى مجموعات و بدأ حينها تنظيم عملية الإنتاج الجماعى و ابتكار الأدوات التى تعينه على الصيد ثم الزراعة ، كذلك عملية تنظيم توزيع المنتج -Distribution – ، و من قبل هذا عملية تقسيم العمل – Division of Labour – .

ملكية وسائل الإنتاج و العلاقات الناشئة عنها
لن نستطيع فهم العلاقات الاجتماعية التى تنشأ عن العملية الإنتاجية و تأتى ملكية وسائل الإنتاج كأحد العلاقات المهيمنة التى يقوم على أساسها مجموع العلاقات الإنسانية الناشئة عن العملية الإنتاجية برمتها ، فالملكية هى التى تحدد شكل تقسيم العمل ، و طرق استخدام وسائل الإنتاج ، و بالتأكيد ملكية المنتج و الأهم هو كيفية توزيعه ، لذا فهى المبدأ المنظم لكافة العلاقات الناشئة عن العملية الإنتاجية ، فإذا كانت الملكية ”ملكية مجتمعية“ أى تشاركية لجميع أعضاء المجتمع تتشكل هنا بيئة أجتماعية لها خصوصيتها و تصبح المسئولية تشاركية تعزز مفهوم التعاون و يصبح نصيب كل مشارك يوازى مساهمته فى العملية الإنتاجية بما يتوافق عليه المجتمع ، أما أن تكون ”الملكية فردية“ أو أن تكون مملوكة لمجموعة من الأفراد كعائلة مثلا ، أو تتخذ شكلاً وسطياً من أشكال الملكية مثل الملكية التعاونية -Cooperative – التى تضم جزء من أعضاء المجتمع …

الأنماط الإنتاجية و أشكال ملكية

إن دراسة تطور المجتمع البشرى ميزت بين خمسة أنماط للعملية الإنتاجية مرت بها مراحل تطور التاريخ الإنسانى و هى كالتالى

١) مرحلة المجتمع البدائى Primitive Community فى تلك المرحلة سيطر مفهوم الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج و الأرض
٢) مرحلة المجتمع العبودى Slave Society حيث بدأت تتشكل الملكية الخاصة و هى كانت إما فردية ، هى حيث يمتلك فرد ما الأرض بما فيها من بشر ، أو ملكية الدولة أو الملك
٣) المجتمع الإقطاعى Feudal Society و فى هذا النمط يكون العاملون من المزارعين مرتبطين بالأرض كأقنان Serfs لا يستطيعون مغادرتها ، و يخصص المالك قطعاً من الأرض لاستعمالهم الشخصى تكفى لأحتياجاتهم على أن يلتزموا بزراعة باقى الأرض لصالح المالك
٤) المجتمع الرأسمالى Capitalist Mode of Production و تعود الملكية هنا للرأسماليين و لا يملك باقى المجتمع و هم الأكثرية وسائل الإنتاج الخاصة بهم ، لذا فهم يعملون لصالح الرأسمالى نظير أجر يحدده صاحب العمل ، و ملكية وسائل الإنتاج هنا إما تكون فردية أو تضامنية أى على شكل شركات ، و يتميز هذا النوع بالإنتاج الكبير Mass Productions حيث المصانع و المزارع الكبيرة ، يستحوذ الرأسمالى على عائدات الإنتاج لتلبية حاجاته و رفاهيته الخاصة و لا يبقى للعاملين سوى الأجر الذى يتم الاتفاق عليه و فى الأغلب يكفى تلبية متطلباتهم الأساسية
٥) أخيرا المجتمع الاشتراكى Socialist Society فى تلك الحالة تعود ملكية وسائل الإنتاج إلى المجتمع ككل من خلال المنظمات التعاونية أو المجتمعات الريفية بالنسبة للزراعة و يقوم المجتمع فى تلك الحالة بتخطيط و توجيه عملية الإنتاج و توزيع الناتج بما يخدم إشباع حاجات و متطلبات المجتمع و رفاهيته

إن كل مرحلة من تلك المراحل نمت فى حقبة تاريخية معينة من تاريخ التطور الحضارى للإنسان ، تحمل سماتها الخاصة ، و لم يكن الفكر الاقتصادى قد حظى باهتمام إلا مع نهايات الحقبة الإقطاعية و بدايات المرحلة الرأسمالية ليصل إلى ذروته مع بدايات القرن السابع عشر مع أنتشار التجارة بشكل كبير و خاصة التجارة الدولية ، فقبل ذلك لم يكن الفكر الاقتصادى يحظى بنصيب حتى لدى المفكرين الإغريق على الرغم من الصحوة الفكرية فى تلك الفترة فى علوم مثل الفلسفة و المنطق و الرياضيات و السياسة ، و ذلك بسبب ظروف الإنتاج السائدة و التى كانت تكفى لمتطلبات الإنسان البسيطة ، كذلك لم تكن للتجارة ثّقل كبير فى حياة الناس إلا فى حدود ضيقة ، فهى اعتمدت على المقايضة البسيطة بين السلع أو الخدمات ، و لم نرصد إشارات للمنظومات الاقتصادية إلا ما كتبه أفلاطون فى كتابه المعروف الجمهورية – The Republic – و الذى تناول فيه كيفية نشأة الدولة و حاجة الأفراد بعضهم إلى بعض ، و كيف دعا إلى تقسيم العمل بين أفراد المجتمع ، و أشاراته إلى عدم سلامة الجمع بين أكثر من مهنة ، و قد قسم أفلاطون النظام الطبقى إلى ثلاث طبقات ، المزارعين و العمال ، المحاربين ، و أخيرا طبقة الحكام ، و نلاحظ أن أفلاطون قد تجاهل طبقة العبيد الذى كانوا جزء كبير من المنظومة الإغريقية ، ثم أتى أرسطو و قد تناول بعض المسائل الاقتصادية فى كتابه السياسة – Politics – ، و اختلف أرسطو عن ما سبقه أفلاطون ، فهو لم يرجع نشأة الدولة إلى أسباب أقتصادية بل ذهب إلى أن الإنسان مدنى بطبعه و ذو غريزة سياسية ، كذلك عارض أفكار أفلاطون التى طرحها فى كتابه المدينة الفاضلة و التى نادى فيها بشيوعية الملكية(2) ، فقد دافع أرسطو عن الملكية الفردية و اعتبارها الحافز الأساسى للإنسان فى العمل ، و نلاحظ إن أرسطو حاول أن يضع بعض التفسيرات ن فقد أعطى تعريفاً للثروة أنها مجموعة السلع و الأدوات التى يستخدمها الفرد أو الدولة لتحقيق أسباب الحياة الطيبة ، كما فرق بين القيمة الاستعمالية و القيمة التبادلية ، كما أعطى لكل سلعة قيمة على أساس المنفعة ، كما تناول أرسطو قضية النقود و شرح كيف نشأت لتلبية مطالب التجارة و التبادل ، ثم أتى بعد ذلك المفكر كسينوفون Xenphon ، و يعتبر أول من كتب عن الاقتصاد بشكل أساسى فى كتابه المحاورات الاقتصادية – Oeconomicus Socrates – و قد ميز كسينوفون بين الثروة و النقود ، فالثروة تقوم على إشباع حاجات الفرد و بغير تلك الصفة لا تكون ثروة ، كما شدد على الاهتمام بالزراعة و اعتبرها مصدر غنى المجتمعات و يعتبره الكثير من المؤرخين الاقتصاديين رائداً للمدرسة الطبيعية ”فيزيوقراط“ التى ظهرت بفرنسا فى القرن الثامن عشر ، كما كتب بحثاً عن زيادة إيرادات أثينا و استعرض فيه السياسات التى يجب أتباعها لانتعاش المدينة و زيادة إيراداتها …

أما فى الحضارة الرومانية على الرغم من التراث القانونى الكبير و نظم الحكم إلا إن ذلك لا يمكن قياسه بالحضارة الإغريقية و ينعكس هذا على فكرهم الاقتصادى الذى لم يكن تحليلا للواقع و لكنه كان انعكاس للقيم المجتمعية السائدة فى المجتمع الرومانى ، و هذا ما نراه فى كتابات شيشرون و سنكا ، و بلينى ، فقد اعطوا للزراعة مكانة الصدارة فى العملية الاقتصادية و إن انتعاشها يعتبر الدعامة الأساسية التى تقوم عليها السلطة السياسية ، أما الصناعة و التجارة فكانت بالنسبة لهم من الحرف غير النبيلة و النقود مصدرا للبلاء خاصة فى معاملات الإقراض و الربا ، و قد أعتبر سنكا أن أى نظام طبيعى صالح و منسجم مع حياة البشر ، بينما كلما هو مصطنع عكس ذلك و مصدرا للبلاء …


هوامش

1) الإتجارية – Mercantilism – هى مذهب سياسى/اقتصادى ساد أوروبا بين القرن السادس عشر و منتصف القرن الثامن عشر . كانت الإتجارية فكرة شائعة كشيوع الرأسمالية فى عصرنا الحالى ، و إذا كانت النظريات الاقتصادية الحالية تقوم على فكرة أن الأسواق تنمو باستمرار ، فإن الإتجارية على العكس ترى أن الأسواق ثابتة ، مما يعنى بأن لزيادة حصتك فى السوق ، ينبغى أن تأخذ هذه الحصة من حصة شخص آخر ، وقد نشأ النظام المركنتلى التجارى من خلال تقسيم الإقطاعيات لتعزيز ثروة الدولة و زيادة ملكيتها من الذهب و الفضة من خلال التنظيم الحكومى الصادر لكامل الاقتصاد الوطنى و انتهاج سياسات تهدف إلى تطوير الزراعة و الصناعة و إنشاء الاحتكارات التجارية الخارجية.

2) شيوعية الملكية التى نادى بها أفلاطون لا تطبق إلا على أفراد الطبقة الحاكمة و لا تصل إلى سائر أفراد الشعب ، وقد تأثر كثيرا الاشتراكيين الأوائل بأفكار أفلاطون

المصـادر

• روبرت سى آلان – التاريخ الاقتصادى العالمى (مقدمة قصيرة جدا) ، ترجمة محمد سعد طنطاوى ، مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة – الطبعة الأولى 2014

• جون كينيث جالبرت – تاريخ الفكر الاقتصادى (الماضى صورة الحاضر) ، ترجمة أحمد فؤاد بلبع ، سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الوطنى للثقافة و الفنون العـدد 261 ،سبتمبر 2000

• جوزيف أ. شوميتر- تاريخ التحليل الاقتصادى (المجلد الأول) ، ترجمة حسن عبد الله بدر ، المجلس الأعلى للثقافة – الطبعة الأولى 2005

• أرسطاطليس – السياسة ، ترجمة أحمد لطفى السيد ، منشورات الجمل ، الطبعة الأولى 2009

• أفلاطون – جمهورية أفلاطون ، ترجمة حنا خباز ، مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة – الطبعة الأولى 2017

• فرناند بروديل – تاريخ و قواعد الحضارات ، ترجمة دكتور حسين شريف ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، الطبعة الأولى 1966

• ف. دياكوف ، س. كوفاليف – الحضارات القديمة (الجزء الأول) ، ترجمة نسيم واكيم اليازجى – دار علاء الدين دمشق ، الطبعة الأولى 2000



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.