القفزة الصينية الكبيرة إلى الأمام


حازم كويي

قبل 30 عاماً، في شباط1992، وفي “رحلة مشهورة إلى الجنوب” من البلاد، سمح المهندس المعماري الإصلاحي الصيني دينغ شياو بينغ لمواطنيه بكسب المال والثروة من خلال عملهم الشاق. حتى لو أنطبق في البداية فقط على بعض الأشخاص، تصريحه أصاب وتراً حساساً لدى معظم الصينيين في ذلك الوقت. لأنهم سئموا من التجارب السياسية والنقاشات الأيديولوجية. لقد أرادوا أخيراً أن يديروا ظهورهم للزي الرسمي الأزرق والأخضر الزيتوني، وأن يأكلوا ما يشتهون، ويمتلكوا شققهم الخاصة، ويسافرون دون عوائق، ويتطورون، ويبذلون جهداً من أجل رفاهية عائلاتهم، وبالطبع تَكونَ بعدها أول “عشرة آلاف” ثري صيني، كما وعد دينغ في البداية.
رحلة دينغ أثارت طفرة غير مسبوقة في إقتصاد البلاد. حتى السنوات الأولى من هذا القرن ،الذي بدأ بالنمو كل عام. كان هذا التطور مدعوماً برأس المال الأجنبي والتكنولوجيا. فتحت جميع الشركات الدولية تقريباً السوق الصينية من خلال إستثمارات واسعة وأشكال متنوعة من التعاون. نمت الثروة مع الاقتصاد، قسم من الناس كانوا من خلفيات فقيرة سابقاً، حصلواعلى ثروات لا يمكن تصورها حتى الآن. شَقت الشركات المؤثرة، وخاصة من قطاعي التكنولوجيا والمالية، طريقها إلى البورصات الدولية وإلى السوق الدولية. لا يوجد مكان في العالم نما فيه عدد أصحاب الملايين والمليارديرات بالسرعة نفسها مثل ماحصل في الصين.
وشهد الانفتاح والإصلاح السريع للبلاد في المدن الكبيرة بمجئ الشركات الأجنبية إلى البلاد، وأسست مؤسسات تعليمية ،جلبت معها طرق جديدة في الحياة، ومواقف وقيم. وظهرت أشكال دولية من الحوار والشراكات شملت جميع مجالات الحياة الاجتماعية تقريباً. كان التبادل بين الشرق والغرب على وجه التحديد هو ما أثار الأعجاب.
الإصلاح والانفتاح الذي بدأه دينغ أدى إلى حد كبير إلى سياسة أقتصادية وتجارية خالية من الأيديولوجية على صعيد الداخل والخارج. ووجدت القوانين واللوائح طريقها إلى المجتمع، الذي أصبح ملوناً بشكل متزايد، وهذا لا ينطبق فقط على ملابس الناس. أصبح العرض في المتاجر أكثر تنوعاً، الأسواق الخاصة لديهامجموعة واسعة من العروض، والصحف “الملونة” التي تتحدث عن النجوم وعن خصوصيات حياتهم ونمط الحياة والأزياء التي تثري الأكشاك.أختفت الأيديولوجيا والسياسة إلى حد كبير من حياة الناس اليومية. السعادة الخاصة، الرفاهية الشخصية، الوظيفة ذات الأجر الجيد التي تؤمن شراء شقة خاصة، تعليم الأطفال، إن أمكن في مؤسسة خاصة، وكذلك الوقاية من الأمراض المحتملة والشيخوخة، الأفكار الآن وأفعال الناس في البلاد تحدد بمجرد تسوية كل شيء، بدأ الشباب الصينيون على وجه الخصوص في تحقيق أحلامهم في إمتلاك سياراتهم الخاصة، وقضاء إجازة في الخارج، والتسوق في مراكز البيع في جميع أنحاء العالم. نمت الطبقة الوسطى في المدن بسرعة في السنوات الأخيرة ويقدر عدد سكانها حالياً بحوالي 400-500 مليون شخص.
الازدهار يتزايد دون رادع في المناطق الحضرية والمناطق الساحلية الصناعية، وهذا ينطبق “فقط” على ثلث السكان. على الرغم من تدابير الحد من الفقر الهائلة التي أتخذتها الحكومة المركزية. ففي النهاية، تم أنتشال 800 مليون شخص من براثن الفقر المباشر، لا يزال مليار صيني ينتظرون ثلاثين عاماً بعد رحلة دينغ للحصول على فرصتهم للمشاركة مباشرة في إصلاحه وإنفتاحه، مئات الملايين من المزارعين يوظفون أنفسهم كعمال مهاجرين بناء على وعد دينغ في المدن ويضمنون ثروة سكان المدينة دون أن يكونوا قادرين على المشاركة بشكل كاف في الازدهار. حيث أولت القليل من الاهتمام لحياة العمال المهاجرين. وفجأة كانوا في المدن وقاموا بكل الأعمال القذرة وغير السارة والمُرهقة، سرعان ما أعتادت على “الرفاهية” بأن المتاجر ومطاعم الوجبات الخفيفة مفتوحة على مدار الساعة، وأن مرافق الخدمة وأستقبال الزبائن بطيبة حتى في عطلات نهاية الأسبوع.ورغم نظرة الترفع من سكان المدن بوجه الفلاحين، فبدونهم لم يكن بإمكان المجتمع الحضري العمل لفترة طويلة.
وبينما سار تطور الوعي الحضري جنباً إلى جنب مع بناء وتوسيع المرافق المجتمعية في المدن، فإن العمال المهاجرين(من المجتمع الزراعي) غالباً ما كانوا يحتفظون بأساليبهم التقليدية في التفكير والتصرف. بسبب نظام تسجيل المواطنين الذي كان موجوداً منذ الخمسينيات من القرن الماضي، والذي يمنح سكان المدن امتيازاً على سكان الريف، غالباً ما يستمر العمال المهاجرون وعائلاتهم في الشعور بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. ومع ذلك، فإن الرغبة في الانتماء والمشاركة في “كعكة الرخاء الكبيرة” للتنمية الاقتصادية السريعة قوية وتتزايد باستمرار. وهكذا يتعلق الأمر بالموقف الذي غالباً ما يتم إساءة أستخدامه، حيث يتم الاستسلام “للتقاليد” القديمة مراراً وتكراراً، مع “الحقائب الحمراء” المملوءة جيداً، يمكنك الصعود بشكل أسرع، الأداء والجهد البطئ، قد لا يكون قابلاً للتحقيق على الإطلاق. هناك حالات عدم أمان، ومنها أختطاف النساء والأطفال على وجه الخصوص،الذي ينشر الخوف وإنعدام الأمن.
ثم جاء الوباء وتغير كل شيء من يوم لآخر. أن الضغط على المجتمع في المدن قد تزايد في السنوات الأخيرة، وأن انعدام الأمن الاجتماعي آخذ في الازدياد. العزلة عن العالم الخارجي قاتلة. البعض من الصينيون يعتقد إن الصين بحاجة ماسة إلى الاتصال بالعالم الخارجي، والتبادل بين الشباب على وجه الخصوص. إن العديد من الشركات والمؤسسات الدولية، وطريقة ممارسة الأعمال التجارية والعمل تؤدي إلى التفاهم والثقة في الأنظمة والقوانين، والحوار حول سيادة القانون بين الهيئات القضائية، كل هذا مهم حتى لا يتم إحياء ظروف وتقاليد السلوك التقليدية القديمة.
ورغم تأييد سياسة الحكومة الخاصة بعدم أنتشار فيروس كوفيد، لكن الخشية الآن أن يكون لها تأثير هائل على الاقتصاد والمجتمع. وفوق كل شيء، فإن الإغلاق المتكرر على المدى القصير، وكذلك، من وجهة نظر البعض، الإغلاق التعسفي للمقاطعات والمدن وحتى مناطق بأكملها، يزعج السكان بشكل متزايد. سلاسل التوريد المعطلة ونقص الموظفين في الشركات ومواقع البناء تجعل الإنتاج والإدارة السلسة في البلاد أمراً صعباً. الأغنياء الصينيون الذين يحملون جوازات سفر صالحة يفرون إلى الخارج. الخبراء الأجانب يغادرون البلاد. ولا يتم تسهيل الاهتمام والرغبة في مواصلة الأعمال السابقة للأشخاص في الداخل أو في الخارج. تكاليف الطيران مرتفعة بشكل أستثنائي، وأنخفاض الحركة الجوية، والتأشيرات المقيدة، وقواعد الحجر الصحي التعسفي تمنع الناس حالياً من التعامل مع الصين.
وكما يجري الترحيب بحقيقة أن الرئيس شي يريد خلق توازن أجتماعي من خلال سياسته القائمة على “الرخاء للجميع” ومحاربة الاضطرابات المتزايدة في البلاد. آخذاً “فاحشي الثراء” في البلاد “على محمل الجد” والحد من توسيع نفوذ الشركات التكنولوجية الكبرى من خلال أعمالها، وبهذه الطريقة، يريد أن يجعل المجتمع مستقراً وعادلاً، وفي الوقت نفسه،هناك شعور بالقلق من أن يكون هذا التطور على حساب الانفتاح الذي بدأه دينغ ذات مرة، وأن تصمد”الجسور” مع العالم الخارجي أمام الوضع الحالي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.