النهاية غير السعيدة للعبة الأمم


كامل عباس النهاية غير السعيدة للعبة الأمم

نحو هيئة دول جديدة متحدة
الحلقة الخامسة والأخيرة
النهاية غير السعيدة للعبة الأمم
يحدثنا الدبلوماسي الأمريكي مايز كوبلاند في كتابه الرائع (لعبة الأمم ) – والتي صدرت ترجمته الى العربية عام 1970 – حديثا رائعا وشيقا وبمنتهى الصدق والصراحة والواقعية عن سياسة أمريكا الخارجية بعد الحرب العالمية الثانية التي عايشها وشارك فيها بنشاط من خلال مركز التخطيط الاستراتيجي في وزارة الخارجية الامريكية والذي يسميه مركز اللعب بدلا من مركز التخطيط يقول حرفيا عنه :ص 43 ( في مركز اللعب كانت هناك مجموعة منتقاة من أبرع الخبراء الذين تعاقدت معهم حكومة الولايات المتحدة للقيام بتمثيل اتجاهات السياسة العالمية محاولين معرفة نتائجها وتقييمها على حقيقتها بالاستعانة بتقارير دورية تصل الينا من المخابرات والبنتاغون . كل لاعب يمثل دولة من دول العالم الفعّالة يحاول تحديد مواقفها السياسية ويذكر في سياق تقريره ان كان يتوقع أكثر من حل واحد , توضع هذه الاقتراحات والحلول ضمن ذلك السيل الاوسع من المعلومات الواردة الينا لتوزع بدورها على العقول الالكترونية أو تترك فوق مكاتب بعض المسؤولين الذين أتقنوا دراسة صفات الشخصيات العالمية واجادوا تمثيل دوار الزعماء والقادة الى الحد الذي لايخطئون في توقعات أفعالهم وردود فعلهم الا نادرا جدا .. ) وهكذا شّكلوا عن الزعماء البارزين في العالم تصور شخصي عن كل واحد منهم وما يُحب ويكره في الحياة وفي السياسة وما هي خلفيته العائلة والتاريخية والاجتماعية والسياسية كي يكون لاعبا معهم على طاولة لعبة الأمم هو وامته وشعبه بما يخدم المصالح الأمريكية ,
يقارن الكاتب في كتابه بين لعبة الأمم ولعبة الشطرنج ولعبة البوكر ولعبة الجبان والخاسرون والرابحون من خلال اللعبة التي تنتهي المباراة فيها بالمعادلة الصفرية حيث على الغالب الجميع رابحون , ويجد ان لعبة الأمم استفادت من كل تلك اللعب على سبيل المثال لا الحصر .
لعبة البوكر , اللاعبين في هذه اللعبة تجمعهم الرغبة العامة في تسلية أنفسهم والترفيه عنها متجنبين اتّباع أساليب الغش والخداع أو الاحتكام الى منطق القوة عند نشوء خلافات بينهم .
اما لعبة الأمم : فاللاعبون راغبون مثل لاعبي القمار الأصلاء في تحسين الأوضاع الاقتصادية وتنمية العلاقات بين الشعوب متجنبين اتباع أساليب الغش والخداع أو الاحتكام الى منطق القوة عند نشوء خلافات بينهم . واللعبة مسلية ايضا لأولئك الدبلوماسيين الأذكياء .
كما يقول عن لعبة الجبان ما يلي : اللاعبون فيها هم شباب بمقتبل العمر يتواجه فيها لاعبان بسيارتين تتجهان نحو بعضهما البعض على طريق واحدة وبالسرعة القصوى والفائز في اللعبة هو ذلك الشاب الذي يبقى مسيطرا على أعصابه حتى اللحظة الأخيرة دون جبن أو خوف, وعندما يدرك تصميم الآخر على المواجهة ينعطف بسيارته جانبا قبل الاصطدام به بلحظات مخلياً له الطريق بأكمله . في هذه اللعبة تنعدم الفرص بالنسبة للاعب الذكي الاستراتيجي وتبقى سانحة بأكملها لذاك المجنون المعتوه الذي قرر أن يركب رأسه ويستمر بالمغامرة حتى لحظة الاصطدام .
المحّير في هذا السلوك الأمريكي الذي انقلب على كل تاريخ امريكا السابق وتحديدا على رئيسها فرانكلين روزفلت الذي كان يدعو الى عالم جديد خال من طغاة همّهم انتاج قنابل لألقائها على شعوبهم والعودة مباشرة بعد وفاته الى سياسة بن عمه تيودور روزفلت ,سياسة العصا الغليظة وانتاج القنابل ليسن النووية فقط بل وكل انواع القنابل من النترونية الى الكيميائية الى البكتريولوجية التي تنهش لحم الانسان وهو حي. اما موافقتكم على الميثاق العالمي لحقوق الانسان في هيئة الأمم المتحدة فلم تكن سوى لزر الرماد في العيون . هل انا افتري . الكتاب موثق ويفضحكم , يهمني هنا اللعب في المنطقة وتحديدا سوريا ومصر وعلى المكشوف
جاء في الفصل المتعلق بسوريا والذي وقع عبئه على الكاتب والمعنون كما يلي- اذا لم تربح المبادرة فغير اللاعبين – ص 72 – 73 ما يلي (وصلت دمشق في أيلول عام 1947 حاملا تعليمات تقضي ان احقق اتصالا غير رسمي مع الرئيس القوتلي ….كان انقلاب حسني الزعيم يوم 30 آذار عام 1949 من اعدادنا وتخطيطنا .) وذلك بسبب اقتراحه لأن القوتلي كما لمس من خلال الاجتماعات معه يصعب ان يسير بما يخدم المصالح الأمريكية ولا ينفع اللعب معه عكس بقية الزعماء في المنطقة وعلى رأسهم الملك حسين وعبد الناصر فيما بعد. لكن الكاتب وبايعاز من مركز اللعب انتقل الى مصر ليكون الفصل التالي بعد سوريا في الكتاب كما يلي : فشل في سوريا وأمل في مصر : لكن عبد الناصر كان أذكى بكثير من شكري القوتلي فلقد دوّخهم على طاولة اللعب وكانت متاعبه معه أشد بكثير من متاعبهم مع القوتلي لأنه اراد ان يتدخل بشؤون الدول لكبر الى طاولة اللعب مشكلا ما يسميه الكاتب في فصل كامل تحت عنوان – ناصر واتحاد المحايدين الايجابيين – لدرجة وصف عبد الناصر براعي الارهاب , ولقد حاولوا رشوته بوقاحة من اجل ان يلعب معهم ضد الشيوعية الدولية في لعبة الأمم : ص 198
(ومع أن اقتراحاتي هذه قد لا تسترعي انتباه القارئ الا انها كانت يومها ضرورية ومعقولة . وقد استحوذت على اهتمام بايرود الذي اعتبر معلوماتي عن الوضع معلومات من الدرجة الأولى وباشر في انجاز الاقتراحات جميعا ورأى بايرود ان مبلغا لا يتجاوز الثلاثة ملايين يمكن تسليمه لناصر نفسه يدا بيد وبسرية تامة , بعد اقتطاعه من مخصصات رئيس الجمهورية الأمريكية مباشرة . ويمكن لوكالة المخابرات المركزية أو مكتب المباحث الفيدرالية انجاز ما يلزم من ترتيبات الأمن وضروراتها . وهكذا ارتفعت قيمة المساعدة الى ثلاثة وأربعين مليون دولار تُدفع الأربعون منها حسب الأنظمة المرعية كمساعدة رسمية وتسلم الثلاثة الباقية سر دون اي مستند وتقتطع من ميزانية رئيس الجمهورية . اما الملايين الثلاثة من الدولارات التي ُسلمت دون ايصال ولا مستند فقد كادت أن تبقى سرا لولا هذا الكتاب ….)
ومع احترامي وتقديري لكل الشخصيات التي مرّت على مركز اللعب – بدءا من كيسنجر أطال الله بعمره مرورا بالسيدة مادلين اولبرايت انتهاء بوزير الخارجية الحالي- الذين كانوا وما زالوا يقفون على رأس مركز اللعب والمتأثرة بلعبة الجبان والتي اخذت بها الادارة الأمريكية الحالية برئاسة بايدن , بل أعتقد ان كل اللعب السابقة مثل لعبة الشطرنج ولعبة البوكر ولعبة الجبان ولعبة القمار ستستمر في الحياة الى اجل غير معروف وسيبقى فيها رابحون وخاسرون الا ان لعبة الأمم لن تستمر كما يتوهم كيسنجر والكاتب .
يا سادتي ان كنتم تظنون ان بالإمكان الاستمرار حتى نهاية اللعبة , أي نهاية الحرب العالمية الثالثة ومن بعدها تُقدمون بعض التنازلات من اجل ترقيع الهيئة كما جرى في تنازلكم لدعاة حقوق الانسان بعد الحرب العالمية الثانية فأنتم واهمون ,لأن الحرب الجديدة لن يكون فيها رابحون وخاسرون بل الكل خاسرون من البشر الى الشجر الى الحجر . واذا كانت قنبلتان نوويتان ألقيتا على هيروشيما وناغازاكي هي من صنعكم مازالت آثارها حتى الآن بادية في المجتمع الياباني ,واذا كان تسرب خفيف من مفاعل تشيرنوبيل في سيبيريا فعل ما فعل في رسيا فماذا ستفعل مئات القنابل النووية التي ستنهمر على العالم ؟ .
كفوا عن اللعب بعقول البشر عن طريق المخابرات فذلك ضار بكم قبل العالم , وان ان كنتم تريدون ان تتفادوا حماقة بوتين فالمطلوب منكم اولا الاعتذار للعالم عن ذلك السلوك الشائن الذي لايليق بتاريخ امريكا الناصع واقطعوا الطريق علي بوتين بدعوة جديدة له ولنظامه ليشارك في تشكيل هيئة جديدة من الدول وليس الأمم ولتتعهدوا ان لاتصروا على احادية القطب بل لجعل الهيئة الجددة تقوم على تعدد الأقطاب ؟اليس هذا شرطه كما يقول لوقف الحرب؟ لو فعلتم ذلك لقطعتم الطريق على الحلف الاستبدادي المتشكل حاليا والذي يبدو ان العالم الى جانبه اكثر مما هو الى جانبكم بسبب ما تسمونه مركز اللعب . انتم مكروهون حقا بسبب تلك السياسة البراغماتية الوقحة. بكل اسف .
عودا الى تاريخكم القديم تاريخ دعم الانسان وحقوقه بالقول والفعل وستجدون ان العالم سيقبل بكم وبقيادتكم أكثر بكيثر من استمراركم في اللعب. . تحضرني هنا مبادرة الفيلسوف الأمريكي صموئيل هنتنغتون الذي رأى أحداث 11 ايلول بعيني نبي قبل ان تقع وحذّر منها وكان عنوان كتابه صدام الحضارات واعادة تاهيل النظام العالمي, وفيه اقترح تشكيل نظام عالمي جديد تفاديا لأي اصطدام مستقبلي لكنكم تجاهلتم الدعوة كليا, بدلا من ذلك تستجيبون لدعوة كسنجر القائمة على مبدأ لعبة الجبان !!!
وعلى ذكر العبقري هنتنغتون فانا اعتقد شخصيا ان مبادرته يصعب تحقيقها لكن قيمتها الانسانية هي فتح الطريق للتفكير ببديل جديد عن مركز اللعب التابع لكم , ما ينقذ امريكا اقبل العالم من حرب أهلية قد ينجح فيها ترامب من جديد هو الدعوة الى اصلاح هيئة الأمم االحالية . هو تحويلها الى هيئة دول جديدة بدلا من استمرار اللعب بالماضي كما هو حاصل حقا . العالم يحتاج الى مجلس امن جديد بمثابة حكومة تنفيذية للجمعية العمومية التي تعتبر بمثابة البرلمان * وستساعدكم بقية الدول في حل مشكلة التمثيل البرلماني والذي لايصلح فيها اعتبار دولة لا تتجاوز مليونين ولها صوت مثل دولة عدد سكانها اكثر من مليار, وربما يتم انشاء كونغرس من مجلسين هما مجلس الشيوخ ومجلس النواب لتشكيل الجمعية العمومية * , كما ان التمويل يجب ان يكون مستقل ومن الشعوب وليس من الحكومات حتى لاتخرج وزيرة جيدة مثل مادلين لتقول ان هيئة الأمم هي فرع من فروع وزارة الخارجية الأمريكية .
هذا هو الطريق الوحيد القادر على حفظ الحضارة والتاريخ الانساني والا فإن الكارثة واقعة لامحالة . طريق الألف ميل يبدأ بخطوة هي الدعوة لتشكيل هيئة دول جديدة .
……………………………..
هوامش :
*- كان لدي عادة هي استشارة أصدقاء لي في ما أسميه الدفقة الأولى من المقال ثم بناء على ملاحظاتهم أعيد صياغته من جديد . ابطلت تلك العادة بعد ان ظّن بعضهم انني اريد التتلمذ على يديه , لكن لأهمية الموضوع قررت ان اوزع هذا المقال على بعض الأصدقاء فالموضوع هام واللعب ما يزال شغال وبايدن آت قريبا الى المنطقة . أرسلت المقال الى عشرة أصدقاء ماركسيين وواحد لبرالي الماركسيون العشر منهم من هو ماركسي معارض ويكره النظام بشدة ومنهم من هو موال ويدافع عن النظام بشدة – وما أكثرهم في مدينتي- تجاهل تسعة منهم الرسالة ولم يرد بحرف : رغم ما في ذلك من عدم احترام للرأي الآخر ان لم اقل أكثر من ذلك, اما العاشر وكنت اطمح ان استفيد من ملاحظاته فهو ضليع وله صلة بهيئة الأمم فقد اجابني بكلمة واحدة . شكرا لك !!!!
اما بالنسبة للبرالي فاقتطف من رّده هذه الكلمات البليغة :
ما تقترحه ضروري ويتجاوز تعدد الأقطاب، لكن السؤال المهم هو كيف يتم تمثيل الدول الدكتاتورية؟ فاذا اعتبرنا ان كل مليون مواطن لهم مقعد، فستكون الصين من اكبر الدول الممثلة، وسيصوت المثقلين حسب توجيهات الحزب الشيوعي الصيني. هنالك تفاصيل نحن بحاجة لطرح حلو



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.