برد العجوز – الجزائرية للأخبار


برد العجوز فارس التميمي كاتب

منذ أكثر من خمسة عشر سنة أو ربما عشرين سنة، وأنا أنتبه إلى أن أخبار الأنواء الجوية أصبحت بشكل واضح أكثر دقة في الحدث وفي التوقيت ودوام الزمن، فقد وصلنا الآن إلى أننا نطالع قائمة الأيام لمدة الأسبوعين القادمين، وفيها ما سيحدث في الجو من حرارة ومطر أو غيوم فقط بدون مطر وغيرها من الرعد والبرق والريح الشديدة أو الهادئة. وكل ذلك بعد أن كان الناس يسخرون من الإختلاف بين ما تقرأه توقعات الأنواء الجوية وما يحصل فعلا. ورغم أني لم أكن أعرف موقفا واضحا للناس من عدم توافق الأنواء الجوية مع ما يحدث فعلا، إلّا أنه من المؤكد والواضح أن الناس اليوم -وأنا واحد منهم- أكثر ثقة بما ستقوله لي الأنواء الجوية عما سيحدث بعد عدة أيام من اليوم وعلي أن أتهيأ للأمر! وهذا طبعا فضله يعود للعلم والتطور العظيم الذي يحدث ونحن نسابق الزمن في الإكتشافات العلمية،، فالعلم أولا وآخرا،،!
منذ سنين طويلة وأنا لست على صلح مع وسائل الإعلام، ولم يكن إلا القليل النادر الذي تعلمته منها أو تعرفت عليه من خلالها مما كان صادقا وصحيحا. كان ذلك بالطبع منذ أن كنت أطالع الإعلام المحلي فقط وأنا في بغداد، حيث كنا نستمع لإذاعة بغداد فقط، ونقرأ في الغالب الصحف والمجلات العراقية، وكانت مجلة واحدة أذكرها تصدر في بغداد في السبعينات وهي مجلة ألف باء، فأنا شخصيا لم أقرأ مجلة عراقية غيرها عدا عن بعض المجلات الفنية التي كانت تأتي من مصر ولبنان فقط.
قبل مغادرتي العراق المغادرة التي طالت من دون عودة،، كانت الأوضاع في عام 1978 والعام الذي تلاه لا تبشر بخير، وكانت الحملات تتركز على تصدي العراق لمخططات الأميريكان لتدمير وتشتيت شمل الأمة العربية!! التي لا أعتقد أنها كانت في يوم ما يهمها أن تكون عربية أو غير عربية، متحدة أو غير متحدة! وكانت في ذلك الوقت كل الصحف ومنها مجلة ألف باء، تترنم وتتغزل بالإنهيار الذي سيحل بالإقتصاد الأميريكي نتيجة هبوط الدولار، وكنت أنا واحدا من الجهلة الأميين في الميدان والمعرفة بالإقتصاد وبحساباته، وكنت لذلك أصدق ما تقوله لنا الدولة العالمة بحقيقة الأمور، ونحن ما علينا غير تصديقها وإنتظار الإنهيار الذي سيحل بأميريكا وربما كل المعسكر الغربي! وإستمر معي ذلك حتى ذهبت في زيارة لأخي د. وليد التميمي (إقتصادي) الذي كان يعمل في الكويت،، ومن جملة الحديث الذي تناولناه وكان هو من فتحه معي عندما سألني: ماذا يقول الناس في العراق عن هبوط سعر الدولار؟ وكان سؤاله ذلك غريبا، رغم أنني تعودت منه أن يسألني أسئلة غريبة،، لكنني فعلا هنا أعدت الجواب له بصيغة سؤال: ماذا يقولون؟ فعاد لكي يلقي علي محاضرة أذكر منها ما معناه: أن الذين يفرحون بهبوط سعر الدولار في بلد هم يحكمونه،، هم أغبياء ويجب أن يحاكموا لغبائهم!!! وباختصار فهمت منه وبوضوح أن العراق يعتمد في موارده على النفط وسعر النفط هو بالدولار عالميا،، وإذا هبطت قيمة الدولار سوف تهبط قيمة العائدات النفطية للبلد!! وهذا ليس مبحثنا هنا، لكنه بالتأكيد كان شظية من شظايا عقم وسخف الإعلام الجاهل والدولة التي يحكمها الجهلة، الذين لا يهمهم غير أنهم يتناطحون عن بعد مع من هو أكبر منهم وقادر على تحطيمهم متى شاء!!
بقيت هذه المسألة في بالي لحدود معينة ولكن لم تكن لها الأولوية،، وفي يوم وأنا أتصفح مجلة ألف باء،، وكنت تقريبا قد نسيت موضوع هبوط الدولار الذي كانت تروج له المجلة، ولذلك فقد وقعت تحت تأثير الثقة العمياء بما تطالعنا به مجلة شبه رسمية، يفترض أنها لا تطبع ولا تُنشَر إلا بعد أن تُراجع محتوياتها كاملة! وجذبني موضوع لا أذكر إسم كاتبه مع الأسف، كان الموضوع عن (تزاوج الإبل) والطريقة الرومانسية التي يتعامل بها (البعير مع الناقة) أثناء التقارب والتودّد فيما بينهما لغرض التزاوج! لم أكن قد سمعت ولا قرأت من قبل عن ذلك رغم أنني طبيب بيطري، وصحيح أننا لم ندرس إلا القليل عن الإبل وخواصها وميزاتها، ولا أذكر أننا قد مررنا على شيئ من هذا الذي ذكره الأخ الرومانسي كاتب الموضوع، والذي أسهب في الوصف عندما يقول أن الناقة تخجل كثيرا بطبعها، ولذلك فإن البعير يقودها لمكان لا يراهم فيه أحد وهناك تتم عملية التزاوج،،، وطبعا المخرج سوف يوقف التصوير قبل ذلك! والمشاهد لن يرى غير توجه البعير والناقة نحو الأفق لكي يغطيهم الضباب وثم ينتهي المشهد!!!!!!
أنا لا أعرف ماذا دهاني في ذلك الوقت،، فقد كنت عربيا متعصبا تعصبا أعمى لعروبتي وبشكل غير واقعي، ولذلك فقد سرحت مع ذكر الصحراء والإبل وأمرئ القيس وزهير بن أبي سلمى و عنترة وغيرهم،، وإعتبرت أن الموضوع موثق ولا يمكن التشكيك فيه،، هل يعقل أن الكاتب قد أصابه الخرف والهذيان وهو يكتب،،؟ وحتى لو حدث ذلك،، أين المراقبين الذين وظيفتهم هي فقط مراقبة المطبوعات والنشر؟ مقابل ذلك لم يكن بعيدا عن بالي بمجرد ذكر تزاوج الإبل، موضوع “برد العجوز” والذي كنا ونحن صغار نسمع من جدّاتنا، أن عجوزا كان لديها إبل قد مرّ عليها الشتاء ولم تتزاوج، ولذلك فقد طلبت من ربّها أن يعيد البرد لأيام لكي تتزاوج الإبل،، وهذا ربما كان الخيال والرومانس الذي خرج به البعض من القدامى، وقد تكون هنالك تفسيرات وخيالات أخرى في مناطق غيرها،، لكن أيا كان التفسير فقد ثبت في ذهني أن هذا البعير وهذه الناقة، هما من رموز هذه الصحراء التي تدفن الكثير من أسرار التاريخ ومن أسرار أمتنا وربما قيمتنا وميزاتنا!! كنت بالتأكيد موهوما بالكثير من التصورات!!!!
حملت ذكرياتي ومعلوماتي الصحيحة والأخرى المشوهة، النطيحة والمتردية وكل ما لدي وهاجرت إلى لندن عاصمة الضباب، عندما كان العراق يعيش قادسيته الثانية،، ونحن نعلم أن القادسية الأولى لم يكن للعراقيين دخل بها، لكنها كانت قادمة من الجنوب،، من صحراء الأجداد الذين لا يمكنني مهما كان ومهما حدث أن أخفي حبي لهم، وهذه مشكلة ربما أحتاج فيها لإستشارة طبيب متخصص! أما القادسية الثانية فإنها بالتأكيد لم يكن للعراقيين المساكين دخل بها، لكنها كانت تصب في صالح تحالف الطغيان بين من حكم العراق وبين من حكموا صحراء الأجداد،، وأعتقد أن هذا يكفي في الوقت الحالي من هذا الموضوع، فربما نعود له في وقت آخر وموضوع آخر.
وأنا في طريق هجرتي كنت كما كان الحال مع أجدادي الأوائل، عندما أجبروا في هجرتهم الأولى إلى الحبشة عند النجاشي، أنا في الحقيقة إخترت الخيار الوحيد المتاح لي وهو الهجرة إلى بريطانيا عند ملكتها المعظمة التي لم يُظلم عندها أحد!!
ولإختصار الموضوع أقول: أنني بعد فترة من عملي هناك حصلت على فرصة للعمل مع الصقور في قطر، وكانت تلك الفرصة عن طريق التقدم لها والتنافس مع أطباء آخرين من جنسيات مختلفة، لم أعرف أحدا منهم حتى كان هناك لقاء للأطباء البيطريين الذين يعملون في مجال الحيوانات البرية، يتم عقده في حديقة حيوان لندن بشكل دوري، ولأنني قد حصلت على فرصة العمل في قطر فقد دعيت لهذا اللقاء رغم أنني لم أكن بعد قد إلتحقت بعملي الجديد، وقد علمت بعد ذلك بفترة أن منظمي اللقاء كانوا يريدون التعرف علي،، لكي يكونوا على تواصل لمعرفة ما سيحدث بشأن هذا العراقي الذي سيعمل بشكل كامل مع الصقور، في عيادة تعتبر أول عيادة تفتح خصيصا للصقور، وأنا لم أكن في الحقيقة على علم بأهمية ذلك ولكنني عرفته فيما بعد. المهم هنا أنني عندما كنا على ما أذكر خمسة أطباء في فترة إستراحة نتشارك الجلوس على طاولة واحدة، كان الجميع يوجهون أسئلتهم لي عن مدى توقعاتي لعملي في قطر ولابد أنني متأهب وأشعر بالفخر والإثارة،، والحقيقة أنني رغم أنني كنت أسعى لتلك الفرصة لكنها لم تكن أفضل ما كنت أسعى له وأتمناه،، لأنني لم أكن أعرف عنها إلا القليل القليل! أما الذين كانوا يسألونني فقد تبين لي أنهم كانوا يرغبون بالحصول عليها، ولذلك فقد كنت بيني وبين نفسي أقول: أعطوني ما أنتم فيه وخذوا فرصتي هذه،، لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه…
كانت الصحراء الفاتنة للغربيين أكثر من الشرقيين هي محور حديثنا،، ومنها طبعا كان ملك الصحراء “الجمل”،، ومن هنا كان أحد الأسئلة التي وجهت لي هي: كم أعرف عن الجمال وهل لدي نية للعمل معها لو تهيأت لي الفرصة؟ وكان جوابي هو أنني لا أعرف غير القليل والذي لا قيمة له،، ولكن بعضهم يبدو أنهم كانوا لديهم معلومات وإهتمام كبير بالجمال والرغبة في العمل في مجال رعايتها،، ومنها جائني كابوس الرومانسية التي تحدث عنها ذلك الكاتب المجهول (لا جزاه الله خيرا) وعندما تحدثت عنها وبطريقة أنني سمعتها كمعلومة عن الجمال،، ظلّ الجميع واجمون للحظات!! حتى عاد لي أحدهم وسألني: هل تمزح؟؟ Are you kidding??
هذه المرة إنتابني أنا الوجوم،، فلم أعرف قصده،، هنا تبسم الآخرون وأخذوا الموضوع على نحو الهزل والضحك،، وقالوا لي أن الجمال تتزاوج في كل حدائق الحيوانات وفي كل العالم أينما أخذتها من دون مشكلة ومن دون خجل ولا أي إعتبارات أخلاقية!!!
لعنت في تلك الساعة مجلة ألف باء ودوائر الإعلام كلها،، وفي طريق عودتي بالقطار من محطة واترلو في لندن إلى محطة سولزبري كنت ألعن الساعة التي قرأت فيها تلك المجلة كلها،، والذي كان حسنا أنني علمت بأن المعلومة هي واحدة من الهذيان (الخرط) الذي لا قيمة له مما توافق عليه أجهزة الإعلام في النشر،، والجيد في الأمر أيضا أنني عندما وصلت إلى قطر، لم أنطق بكلمة عن الإبل حتى تعرفت عليها جيدا من خلال علاقاتي مع أصدقائي ومعارفي الجدد من أصحاب الصقور والإبل،، ومنها علمت أن البعير عندما يكون في موسم التزاوج لا يعرف الخجل،، ولا يهمه إن كان يراه الملايين وأنه لا يعبأ بأحد غير أنه يرغي ويزبد حتى ينتهي من عملهّ!!
هنا اليوم تذكرت كل هذا بعد أن عاد لنا الشتاء من جديد ونحن في ثاني شهر من أشهر الربيع،، وتذكرت برد العجوز وتذكرت كيف كنا جاهلين ومعلوماتنا ليست موثوقة،، وكنا نرى الأمور من زاوية الطيبة وتصديق الآخرين،، لا أقصد بذلك نحن العراقيون فقط،، بل كل أبناء منطقتنا، منطقة العالم القديم،،
والغريب ونحن الآن في رمضان تذكرت كيف كان رمضان ونحن صغار،، وتذكرت شيئا مميزا كنا نشاهده على التلفزيون ربما يوميا بعد الإفطار،،، نجاة الصغيرة وهي تغني من كلمات حسين السيد وتلحين الرائع المبدع رياض السنباطي “إلهي ما أعظمك في قدرتك وعلاك”،، وكان الملاحظ أن نجاة ترتدي الملابس التي ترتديها كل النساء في ذلك الوقت،، ملابس جميلة وأنيقة ومحتشمة ولم يكن أحد يعلق على ما تلبسه،،!
مالذي حدث بين ذلك الوقت واليوم،،،؟
غزو لا حضاري يجتاح البلدان!!!



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.