بين الصبر والصبر حقولاً من الصبر


شوقية عروق منصور

كانت جدتي تردد دائماً ” الله يصبرني ” ومن كثرة ترديد هذه العبارة كنت أشعر أن جدتي تقولها كنوع من العادة وثرثرة عجائز وضمان لدخولها الجنة ، لكن عندما كبرت عرفت أنها كانت تقوم بتبريد نيران قلبها المشتعلة بهذه الكلمات .
فجأة لا بيت لا أرض ولا أبن … في ليلة جمعت بين زوايا ظلامها، أزيز الرصاص ووحشية الغرباء، الذين أخذوا ينهشون بخطواتهم الطرقات والأزقة ويتراكضون بين البيوت كوابيساً وأشباحاً وموتاً خاطفاً يقوم فجأة باحتضان كل شاب وشيخ وطفل.
فكان لا مفر من الهروب، فتحت جدتي شوال الخيش وبدأت تضع فيه ملابس أولادها بسرعة مصحوبة بذهول أشبه بالجنون ، وخرجت وقد قامت بإغلاق باب البيت بالمفتاح، وأخذت تركض هاربة لتلحق بزوجها الذي كان بين الأشجار مع مجموعة من الرجال يقف عاجزاً أمام بندقية قديمة لا تطلق الرصاص إلا بصعوبة .
كانت تردد أمامي راح البيت وراحت البلد بس لو ظل الأبن .. حيث مات عمي شهيداً أمام باب بيته ، فعندما وجد أن الجوع قد وصل إلى حد لا يطاق وهم يعيشون في العراء ، تذكر أن والدته قد قامت بزرع أرضهم في القرية كم شتلة بندورة وكم شتلة باذنجان ، ذهب عمي إلى القرية متسللاً على الحمار، يمشي بين البيوت بهدوء فهذه حارته ويعرفها جيداً ، سيجمع كم حبة بندورة ولعل البذنجان قد أصبح ناضجاً سيأخذ كم باذنجانة ويرجع بسرعة إلى والدته .
وفي لحظة وما أن دخل الى حاكورة بيتهم حتى أطلق عليه وابلاً من الرصاص، جعل من جسم عمي غربالاً ، وثقوباً تنزف حرارة الدماء ، ثم قام من أطلق على عمي الرصاص بوضع جثته على ظهر الحمارة التي أخذت تمشي لوحدها، والدم ينزف على تراب الطريق، حتى وصلت الحمارة إلى المغارة التي كانت تأوي العائلة. وزرع الصبر في صدور أبناء العائلة وقد يبس مع الأيام ، لكن بقي مزهراً بالآهات والدموع في صدر جدتي ، وعندما كانت تحتضر كانت تنادي عليه .
أما صبر أمهات الشهداء في فلسطين فيترجم إلى شموخ وكبرياء ، من أين يأتين بهذه العظمة عندما تتكلم الأم الفلسطينية عن صمود وقوة أبنها الشهيد ؟
من أين لهن هذه القلوب المليئة بالفخر وهن يمدحن أولادهن الشهداء؟
من أين يأتين بهذه الجرأة حين يقلن ان دم أبني فداءً للوطن ؟ مع العلم أننا لم نسمع شيئاً عن أبناء الذين يقودون الوطن ؟
من أين يأتين بهذه الصلابة وقسوة الصخر وعدم الانحناء أمام المشهد الجنائزي ؟ من أين لهن هذه العيون التي تنبض بالعز والكرامة ؟ من أين لهن هذه الزغاريد التي توزع في فضاء الجنازات .. من أين لهن هذا الصبر المكلل بالعطاء ؟
أمهات الشهداء يتكلمن أمام وسائل الاعلام كأنهن ناطحات سحاب، جبالاً من الوفاء، من أين لهن هذه المقدرة على التكلم وهن يمشين على جمر الأمومة ؟ من أين لهن هذه العظمة التي يفتقدها الساسة السياسيين ؟
أعرف أن وراء كل هذه العظمة نبضات قلب ووجع وذكريات..!! ستبقى الأم لوحدها تكتب بدمها حروف اسم أبنها الذي استشهد وقميصه الذي اختلطت خيوطه مع دمه سيبقى خارطة وجع لا يحملها الا قلبها الذي يئن يومياً من الفراق .
أما ذلك اليهودي المستوطن الذي وجد أن التجارة في نبات الصبر قد يتخم حسابه في البنك، فقام بزراعة نبات الصبر – بدون شوك – وأخذ يعدد مزايا أكواز الصبر على شاشة التلفزيون والكاميرا تستعرض المساحات، لم يتكلم هذا المستوطن أن الأرض قد سرقت وأن نبات الصبر ما هو إلا دموع الأرض التي سُرقت من أصحابها، وإذا كان يفتخر أن الصبر بدون ” شوك ” فليفتش جيداً الشوك مزروعاً في قلوب الفلسطينيين .
شوقية عروق منصور – فلسطين



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.