جغرافيا العواطف السياسية..ثقافة الخوف والشعور بالإهانة


عصام بن الشيخ كاتب وباحث سياسي. ناشط حقوقي حر ثقافة الخوف والشعور بالإهانة في عصر احتكارات GAFAM: قراءة لجغرافيا العواطف السياسية عند دومينيك مويسي، برتراند بديع، جيرالد برونر، باسكال بونيفاس.. أنموذجا


يقول العلماء الروس أننا سنعيش في مخاض تاريخي لإضراب دولي مدهش بين عامي 2022 و2030 حتى نتخلص من النظام الدولي الويستفالي المتقادم (1964-2030) في المستقبل المنظور، بنقطة تشغيل جديدة Reset تعيد إنطلاق البشرية مجددا وبقوة بعد التوقف الدولي الكئيب لكوفيد-١٩ والحرب الأوكرانية 2022، على الأقل هذا هو القاسم المشترك لفكر الباحثين الروسيين البارزين أوندريه كورنوتوف Andrey Kurtunov وأليكسي آرباتوتوف Aleksy Arbatov من المجلس الروسي الدولي للأبحاث (RIAC.RU)، وحديثهما حول حتمية تضييع بضع سنوات في التأمل الدولي لكيفيات ولادة نظام دولي جديد للخلاص من “الميغا-إمبريالية” و”الميغا-إهانة” كما يسميها الراحل المهدي المنجرة، بتنصيب نظام توازن قوى جديد يضمن استمرار قوام هيكلية المؤسسات الدولية وإصلاح النظام الأممي ليكون أكثر إنصافا ومساواة بين الدول.

كتب الباحث الفرنسي برتراند بديع Bertrad كتابا هاما بعنوان “زمن المذلة: علم أمراض العلاقات الدولية/ Le Temps des Humiliés: Pathologie des Relations Internationales” (2014)، حين تختفي الثقة الدولية في مجموعة الدول السبع G7 وفي سياسات صندوق النقد الدولي FMI، ويتسبب المهيمنون في الافتقار الحتمي للاستقرار الدوبي للأمم، والانتشار القسري للفوضى غير المسيطر عليها، وشعور الدول الأضعف بالتهديد الدائم للحرب، مع فارق تعميم الخوف العالمي من الدول الطبيعية إلى أشباه الدول ” Quasi-States/Para-States/Proto-States”، ويشعر صناع قرار الدول الضعيفة بأن دولهم تتحول إلى ثقب أسود Weak States, Black Hole” يصيب جواره بالعدوى، فتنتقل هذه الأمراض من الدول الأضعف نحو دول من القوى العادية أو المتوسطة أو حتى الكبرى أحيانا بسبب المعضلة الأمنية. كتاب هام كشف تحول أوروبا إلى قزم سياسي لقارة عجوز تخشى ظواهر الهجرة والانحدار الديمغرافي آن واحد وتعاني التركيع بسبب المعضلة الأمنية للحدود وأزمة الطاقة. فإذا بدأت حرب عالمية ثالثة فستكون بسبب كوريا للشمالية التي ترفض عنجهية الغرب، لقد لاحظ برتراند بديع كغيره تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي تقوض الدبلوماسية والتفاوض، فأثناء الحرب الأوكرانية رفض فلوديمير زيلينسكي أن يتم تهريبه ليعلن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في استقطاب مشاعر الجماهير وتعبئة الأوكرانيين خارج الحدود إضافة إلى البحث عن الدعم الدولي السري لجميع المتعاطفين. فلقد استغل زيلينسكي فورية الأنترنت لاستعطاف إيلون موسك مالك شركة تسلا للتكنولوجيات، لذلك تسيطر شركات جافام GAFAM على جزء هام من تكنولوجيا التأثير على الحرب.
ظاهرة الإذلال والمهانة التي فككها برتراند بديع في ظهور ثقافة الخوف وثقافة الأمل وظاهرة الإهانة والإذلال التي مست دول الشمال ودول الجنوب في وقت واحد لتكشف ظاهرة المخاوف الجماعية Les Peurs Collectives للأمم والتي تعكس صور العدسة الثقافية للذكاء الجماعي للأمم وكيفيات هندسة حكمة الجماهير.
والحق أن الباحث الراحل المهدي المنجرة كان قد سبق برتراند بديع في تفكيك ظاهرتي الميغا إمبريالية والميغا إهانة حين قال أن اليونيسكو تستحق التوبيخ لأن الأمريكيين قصفوا الآثار التاريخية لأقدم ثلاث حضارات عراقية، وإعتبر أن التطبيع يكرس الإهانة مع الصهيونية ولا يحفظ الكرامة.
وكتب الباحث الفرنسي دومونيك مويسي Dominique Moïsi كتابا بعنوان: ” Géopolitique des Emotions”، الذي رسم فيه خارطة العواطف العالمية التي تساعد على فهم الأحداث والتطورات الجيوسياسية. وينطلق مؤلف هذا الكتاب من شرح المفاهيم وتاريخ الظاهرة حين يقول أن “ثقافة الأمل” تعني تخطيط الأمم لإحياء العمارة والتصميم الحداثي عكس “ثقافة الذل” و”ثقافة الخوف” اللتين تدفعان الشعوب إلى اليأس، معطيا مثالا عن انحطاط الدولة العثمانية ثم أثر الاحتلال الصهيوني على العرب والمسلمين والحرب الدينية على ملكية الأرض. فبسبب هذه الظواهر تصادمت الثقافات المسيحية والإسلامية الآخذة في الإنتشار، صراعات أدت إلى دفع المحبطين إلى التطرف والتشدد الديني إنطلاقا مما سماه سياسات Petromonachies!!، فكيف ينقلب الغرب على حكام كان حريصا على تنصيبهم قبل نصف قرن؟، وهل يدرك الغرب أن ورقة حقوق الإنسان فقدت معناها الحقيقي بسبب المعايير المزدوجة؟.
يقول دمونيك دويسي أن الغرب “خائف” لأنه لم يعد يحكم العالم، فأوروبا تخشى أن تصبح متحفا وتفقد تأثيرها على العالم بينما تظهر قارة آسيا بقوة، إذ لا ينفع “المنفذ القومي لحب الوطن القاري” كلما تحولت أوروبا إلى “قزم سياسي”، ولا تزال ظاهرة زعزعة القيم التي ألهمت أوروبا بعد سقوط جدار برلين آخذة في التصاعد، فأوروبا تخشى فقدان هويتها وتسعى لحماية أفضل لتفادي تشويه سمعة حكوماتها.
أما الخوف في التاريخ الأمريكي حسب مؤلف الكتاب فقد أدى إلى تبرير الحق في حمل السلاح وكراهية الأجانب على الأراضي الأمريكية رغم أن القوات الأمريكية قتلت حاملي السلاح في أفغانستان واليمن بحجة مكافحة الإرهاب. أما خوف الروس حسب دويسي فينبع من عدم إمتلاكهم لرؤية واضحة لحدودهم، وشعور الروس الدائم بالمهانة بسبب فشل الشيوعية، وثقافة الأمل الروسية في معاودة الظهور وهم يؤمنون بأحلام فلاديمير بوتين في معاودة النهوض.
أما ثقافة الخوف لدى الصهاينة فيرى دومينيك مويسي أنها نابعة من ذكرى هولوكوست المحرقة وخشية الصهاينة للعرب المسلمين المحيطين بالحدود الاسرائيلية من كل جانب وهم أكثر من اليهود بكثير، إضافة إلى الخوف من الإرهاب أو مقاومة الفلسطينيين واللبنانيين بالسلاح. ويؤكد دومينيك دويسي كيف انتقلت إسرائيل من خانة الأمل نحو خانة القلق المزمن.
أما إفريقيا المهمشة بسبب العنف والفساد فهي تأمل في النهوض بدعم مبادرة الطريق والحزام الصينية”طريق الحرير” حيث يدعن الصينيون هذا المسعى تحت بند الاستثمار لكن الغرب يتهمهم بالتدخل في الشؤون الوطنية للأفارق لطرد الغرب. في حين يروج الأفارقة إلى أن إرتفاع الاستثمارات عندهم هو بسبب زيادة عدد القادة الجيدين.
أما دول أمريكا الجنوبية فيشعر حكامها وشعوبها بالإهانة بسبب الكارتلات والعنف والفساد، والإحباط الدائم بسبب الليبرالية القسرية التي زادتهم فقرا رغم تخلصهم من الدكتاتوريات.
يقول دومينيك مويسي في كتاب الجغرافيا السياسية للعاطفة أيضا أن عام 2025 عام الإحباط رغم أن مجلس الأمن متكون من الولايات المتحدة الأمريكية ودول بريكس والاتحاد الأوروبي. ففي الوقت الذي تكرس فيه واشنطن نفسها للإيكولوجيا، تستعرض روسيا والصين قوتيهما للضغط أكثر نحو عالم متعددة الأقطاب.
في علم اجتماع الحتمية La Sociologie Déterministe يتم بحث النبوءات Prophéties والحتميات Déteeminismes، ومهاجمة ثقافة الأعذار Culture de L excuse التي تحرض في الكثير من الأحيان على الغباء Incitation à la Bêtise وارتكاب الحماقات بذرائعية براجماتية محضة، ودون مراعاة العواقب. لذلك انتشرت ظواهر القسوة Cruauté والتواطؤ Complicité واللامبالاة L Apathie مع اختفاء حكمة الإيثار Altruisme والأخوة Fraternité نكران الذات Abnégation والحماس Enthousiasme. فأصبح التخريب سيد الموقف وفرضت الفوضى أحكامها بعد إعدام العقلاء.
كتب الباحث جيرالد بروني بروني Gérald Bronner عن ظاهرة “ديمقراطية السذج La Democratie des Crédules Naives” معرجا على ظاهرة نمو الأنترنت الذي يسمح بتكثيف أسي لنشر المعلومات بهدف التحكم في السوق المعرفي خاصة في ديمغرافيا المدن، حيث تتأسس الأساطير الحضرية Légendes Urbaines التي تهندسها برجوازيات المدن La Bourgeoisie des Villes ويسهل عليها تسيير الحشود.
يرى جيرالد بروني أن الأنترنت تجند العقول وتعمل على شحنها لأنها حاضنة جديدة للمعتقدات Incubateur de Croyances، كما كتب بإسهاب متميز عن حتمية الإحتياط من العلوم الزائفة Pseudo-Sciences التي تنتشر عبر الأنترنت في عصر كثرة الحروب والنزاعات ودورها في نشر الاضطراب وزعزعة الاستقرار. ويتفق معه الباحث الفرنسي باسكال بونيفاس Pascal Boniface الذي انتقد تسبب الأنترنت في تشويش عقول عامة الناس بسبب المثقفين المزورين Les Intellectuels Faussaires/Forger Intellectuals خبراء الأكاذيب Experts des Mensonges/Experts in Lies، خاصة مع تحول جافام GAFAM إلى “السيد الجديد لعالمنا” حيث أن جافام GAFA/NATUs أو الشركات الرقمية النجمية هي الأداة الجديدة للهيمنة على العالم عبر آلية “الفورية L instantanéité”، إذ تسيطر شركات غوغل وفيسبوك وتويتر ووتساب ويوتيوب وأمازون على قيمة سوقية تتجاوز تريليون دولار وتتحكم في نصف مليار نسمة من المستخدمين عبر العالم، وهي مسيطر تعسفي يشهد مقاومة من عمالقة تكنولوجيات الشرق الأقصى مثل شركات Huawei، BATXs، Baïdu، Alibaba، Tencent، Xiaomi مع تسجيل ضعف شركات الاتحاد الأوروبي في مجال الابتكارات الرقمية.
يتفق برتراند بديع ودومينيك دويسي وجيرالد بروني وباسكال بونيفاس على تأرجح جميع الأمم بين ثقافة الأمل وثقافة الخوف بظلالة الشغور بالمهانة والإذلال، خاصة في نقطة إعادة التشغيل الجديد للعالم.
فما هو موقع العرب من هذه التحولات وهل يمكن لهم الخلاص من الهيمنة الغربية في هذه الفرصة التاريخية؟؟.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.