فهم الشعوب و الجموع !


محمد السيد السّكي

تستخدم الادلة الكيميائية للكشف عن إتمام التفاعل الكيميائي حيث تستخدم في التحليل الحجمي volumetric titrations كدليل على الوصول إلى نقطة النهاية والتي عندها يتم تفاعل المواد بنسبة اوزانها الذرية..
وفكرة الدليل في تقدير تركيز الأحماض والقواعد قائمة على تغير لون الدليل في الوسط الحمضي والقاعدي .. فعند تفاعل حمض مع قاعدة يضاف الي الوسط القاعدي دليل الحامضية والقلوية indicator وعند الوصول إلى نقطة التعادل فإنه سيصير الوسط متعادلاً ومجرد سقوط قطرة واحدة من السحاحة (أنبوبة مدرجة بها صنبور) التي تحتوي على الحمض فان الدليل سيتحول الي لون معين.. فيكون تحول اللون هو دليل على إتمام حدوث التفاعل الكيميائي ثم يتم معرفة حجم الحمض غير معلوم التركيز و الذي استهلك من السحاحة والذي تفاعل مع كمية معروفة من القاعدة معلومة الحجم والتركيز اعتماداً على مبدأ تفاعل المواد الذي يتم بناء على اوزانها الذرية.. ومن تلك الفكرة التي يلعب فيها الدليل أداة مهمة تدركها العين يمكننا تحديد وتقدير تراكيز المواد المجهولة.. فلو عندك كمية من حمض معين لا تعرف تركيزه تتم معايرته مع قاعدة معلومة التركيز ومع حجم معين منها وعند تجاوز نقطة التعادل بقطرة واحدة يصرخ الدليل متغيرا لونه ليقول لقد انتهى التفاعل !! ..
ومن خلال معرفة حجم الحمض الذي استهلك ومعرفة حجم وتركيز القاعدة يمكن بسهولة معرفة تركيز الحمض المجهول والعكس صحيح في حالة القاعدة الغير معلومة التركيز..
لقد جعل الله لنا علامات في الطبيعة بما تتضمنه من تفاعلات كيميائية حيوية.. فمجرد تخمر الخبز فانك ستعرف ذلك من خلال زيادة حجم الرغيف وانتفاخه نتيجة خروج ثاني أكسيد الكربون..
وانك أيضا سترى الجثة المتعفنة تطفو فوق سطح النهر بسبب انتفاخها ووجود ثاني أكسيد الكربون بكمية كبيرة بداخلها..
وكما ان الادلة هي أداة مهمة يمكن بها الاستدلال على إتمام حدوث التفاعل بين المواد الكيميائية والتي تتفاعل بنسبة اوزانها الذرية او المكافئة المول mole´-or-equiv..
فان هناك مجموعة من الادلة التي تدل على مدى رقي الوعي الجمعي وما يستتبعه من تطور في الانظمة السياسية الديمقراطية للوصول إلى ناصية عقد اجتماعي رشيد مفعل من خلال منظومات قانونية واجتماعية واقتصادية وسياسية..
لقد مرت أوربا بمنعطفات كثيرة لكي تصل إلى أنظمة حاكمة ديمقراطية تتجلى فيها حيثيات ظاهرة وضمنية لمفهوم علاقة الحاكم مع المحكومين وتضمن الي حد كبير عدم تغول الحاكم.. وبدأت تلك الحركات كحركات تنويرية ثارت على تحالف الملك مع رجال الكنيسة بحيث تكون السلطة الروحية خالصة لرجال الدين بقوة يد باطشة تستخدم ضد كل الذين يخرجون ضد تعاليمها وتكون مباركة الكنيسة للملك واعتباره ظلاً للاله هو الشرط المرجو في صفقة تحالف الملك مع الكهنوت..
لقد استغرق هذا المخاض سنوات طوال لكي تتجاوز أوربا عصور الظلام بل وتعلو رايات أدلة التعرف على مدى النضج المجتمعي في جميع مناحي الحياة..
معيار ثقافة الشعوب ونهمها على القراءة والمعرفة هو الدليل الكيميائي للوصول إلى نقطة نهاية تفاعل رشيد بين الحاكم والمحكوم..
لن تصل إلى تحقق مفهوم النظام السياسي الديمقراطي الرشيد في ظل مجتمع لايقرأ وعقله الجمعي غير ناضج..
وفى حالة وجود نظام سياسي واعي متفرد يحكم مجتمعا ادلته الكيميائية باهتة المعالم فإنه سياخذ فترة كبيرة من خلال آليات تنفيذية واضحة يتم الاهتمام من خلالها بالتعليم والثقافة والبحث العلمي وارساء مبدأ بوصلة الأولويات التي ما ان تضيع من ذهن الحكام حتى تتوه سفينتهم بشعوبها..
لقد كتبت في مقال سابق لي بعنوان “صهيونية الاسيتون” اوضحت فيه مقدار اهتمام اليهود بالعلم حيث انهم حصدوا حوالي ٢٠٠ جائزة نوبل اي حوالي ٢٥ ٪ من مجوع جوائز نوبل و كيف تحول بلفور المعادي للصهيونية لا كبر داعم لها بعد دور حاييم وإيزمان في إنتاج الاسيتون بكمية كبيرة في الحرب العالمية الأولى والذي يتسخدم في متفجرات الكوردايت المستخدمة في الصواريخ حيث قال بلفور :
لقد صهينني الاسيتون !!..
الشعوب التي انحرفت سفينتها نحو الفن الردئ وتعاني من أمراض المناعة الاجتماعية الذاتية واختلت فيها بجهل منظومة الترابط الأسري وانحصرت فيها رقعة الارض الخضراء الواعية التي ظهرت في الخمسينات والستينات واخذت تتآكل شيئاً فشيئاً حتى اضحت الطبقة المثقفة محمولة فوق نعش متهشم اعرج السيقان ولا تجد من يدفنها فيسترها ولا تجد طبيباً ينعشها لتعود دليلاً كيميائياً واضحاً يبرهن على وعي الشعوب وتركيز منظومة الحكم التي ستتفاعل معه..
ومن تجليات الله البديع الحكيم فى الروح الانسانية ان تتوهج فى الانسان سمات الابداع والاستقراء والاستنباط متجاوزا ً ومحلقاً الى ابعد الحدود.. بل ان الله القى فى هذه الروح كل وسائل الجنوح حتى على مراده البهي ..
وكلما هبت نسائم الابداع وتذوقه من روحك كلما استشعرتها وثمنت نصيبك منها ..
كلما تذوقت الموسيقى او ابدعت فيها، تذوقت الآداب او ابدعت فيها و تذوقت ابداع الله واسراره فى كونه المنظور وكشفت عنها ..
كلما زاد عطاؤك وتذوقك (الموسيقي والادبي والفني والعلمي …الخ ) كلما حظوت بنصيب اكبر من روح الله المتعالي الاكبر..
أن الأمم التي تفتقد لتوهج بهاء الروح الجمعية لهي فاقدة المعالم و ان أدلة الاستدلال بها ستدل على مولود انظمتها السياسية ومدي تركيبته الجينية..

بقلم د. محمد السيد السِّكي استشاري تحاليل طبية وكاتب وروائي مصري..



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.