قراءة في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2022


كامل عباس

كتب أحد القديسين كتابا سّماه مرآة الأمراء عام 1515 اقترح أن توضع فيه مرآة أمام الأمير او الملك لتذّكره بما هو مطلوب منه ( ينبغي لسلطة الأمير أن ترتكز على إجماع رعاياه وان تلتزم بالقوانين والا تستعمل الا لترقية الخير العام : واذا كان الناس كلهم اخوة كما يقول المسيح فان الحروب تصبح تذابحا بين الاخوة ) أي أنه كُتب بنفس فترة كتاب الأمير لمكيافلي والذي كان يحض على ما يسميه الحروب العادلة ولكن حظ الكتاب الأول في الانتشار لم يكن واحد بالمائة من حظ الكتاب الثاني .
كانت الحرب العالمية الثانية آخر الحروب التي أُزهقت فيها ملايين الأرواح البريئة رافقها ضجة واحتجاجات غير طبيعية من الشعوب ضد الحروب مما حدا بالدول المنتصرة الى التعهد بأن تلك الحرب ستكون الأخيرة وأن سببها هو ضلال وتعنت الدول المهزومة واصرارها على تفضيل مصالحها الخاصة على المصلحة العليا للجنس البشري , وقد باشر المنتصرون وعلى رأسهم الاتحاد السوفياتي وامريكا بالعمل على تشكيل هيئة أمم جديدة يناط بها حفظ الأمن والسلم الدوليين وفض النزاعات بين الدول على اساس الاحتكام لمنطق العقل وليس على اساس القوة , لكن الأمور سارت بشكل اكثر سوءا من السابق وهنا المفارقة .
لقد تحولت الحرب الساخنة الى حرب باردة بين محورين جرى بينهما سباق تسلح رهيب شمل الأرض والسماء وأنتج كل انواع الدمار الشامل بما فيها القنابل النترونية والكيميائية والبكتريولوجية التي تنهش لحم الانسان وهو حي , ولو ان ما صرف من أموال وجهود في حقل انتاج الأسلحة تمحور حول تنمية عريضة لما ظل جائع على وجه الأرض .
مناسبة هذا الكلام هو صدور وثيقة من حوالي خمسين صفحة في 12 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2022 عن الادارة الأمريكية تحت اسم “استراتيجية الأمن القومي لعام 2022 حدّدت فيها تقديرها للوضع القائم، وما فيه من تحدّيات، وتصوراتها لمواجهة هذه التحدّيات. أعتقد أن كل من يقرؤها بعقل محايد سيخرج بانطباع بأن الوثيقة لا تختلف عن فهم كل الادارات الأمريكية السابقة التي استلمت السلطة بعد رحيل فرانكلين والتي تتوهم بان امريكا بقوتها العسكرية والاقتصادية هي التي تحمي العالم من الشريرين فيه وعليه أن يقف وراءها من أجل ذلك!!!؟؟؟.
أتابع تيارا عريضا في امريكا منذ اوائل هذا القرن, عّبر عن نفسه في الأدب والفن والصحافة والفلسفة والسياسة وقد اعترض وما زال يعترض على سياسة تلك الادارات المتشابهة التي تنُصب نفسها شرطيا على العالم وتطلب منهم الخضوع لأمنها القومي كونه الحامي للأمن العالمي وترى ان جلوس امريكا على طاولة العالم الى جانب بقية الدول – وليس على رأس الطاولة – قد يخدم الأمن القومي الأمريكي اكثر مما يخدمه العمل بروح الوثيقة , لقد تجاهلت تلك الادارات كل النصائح التي قُدمت لها من مفكرين امريكيين لكي تتخلى عن تلك السياسة البراغماتية وخاصة بعد احداث ايلول التي بينت بالملموس ان الارهاب الذي اكتوت امريكا والعالم منه هو رد فعل على تلك السياسة المنحازة للأغنياء وما تبعها من انقسام في المجتمعات, الا انها استمرت بنفس العقل ,عقل ادارة الارهاب بدلا من تجفيف منابعه.
لقد تبلور هذا التيار اخيرا في السياسة على ما يبدو . انقل هنا فقرات من مقال نُشر في موقع الحرة الأمريكية تحت عنوان

  • حزب جديد في الولايات المتحدة يضم أعضاء سابقين من الحزبين الرئيسيين – في
    28/7/2022 ومما جاء فيه :
    (أعلن سياسيون أميركيون، الأربعاء، تأسيس حزب سياسي وطني جديد، أطلقوا عليه اسم “فورورد”، أي “إلى الأمام”.وقال السياسيون الذين كانوا ينتمون للحزبين، الجمهوري والديمقراطي، إن الحزب الجديد يأتي “تلبية لمطالب ملايين الناخبين، الذين يقولون إنهم مستاؤون من نظام الحزبين في الولايات المتحدة”.
    ويترأس الحزب الجديد المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة، أندرو يانغ، والحاكم الجمهوري السابق لنيوجيرسي، تود ويتمان.
    ان الحزب سيوجد أرضية مشتركة لكل من يرغب في تنحية “التطرف الحزبي”، وإيجاد طرق عملية لجعل هذا البلد أفضل، من دون الحاجة للتحقق من معرفة ما إذا كان الشخص من “الديمقراطيين أو الجمهوريين
    وسيتم إطلاق الحزب في حفل رسمي في مدينة هيوستن في 24 سبتمبر، وسيعقد أول مؤتمر وطني للحزب الصيف المقبل.) .
    أعتقد ان التقرير الجديد الصادر عن الادارة المريكية الحالية يسير عكس رغبة هذا التيار في الداخل والخارج الأمريكي وهو يصب الزيت على النار ويساعد على توهج الحرب بحيث تتحول الى حرب عالمية ثالثة بدأت بوادرها في أكثر من جهة ولم تعد محصورة على الحرب بين أوكرانيا وروسيا بعدان كانت حرب بين نظام شمولي ديكتاتوري خاف على نظامه وامتيازاته من دولة جارة تبّنت فكر ديمقراطي يمكن ان يتسرب الى داخل دولته .
    ان الطريق الى جهنم قد تكون مبلطة بالنوايا الحسنة فالتقرير يخدم نظام بوتين وتوجهاته نحو دفع الحرب باتجاه حرب نووية بين الدول للخلاص من مأزقه الذي وقع فيه
    على الضد من توجه التقرير المطلوب هو وقف هذه الحرب بأي شكل استنادا الى ما اتفق عليه في هيئة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية والمعروف للعالم من عطّل هذا التوجه لأنه لايخدم مصالحه , والكل يتذكر بداية العولمة وما اشاعت في النفوس من امل نتج عنه رياح تغيير دفعت الشعوب الى الشارع لمساندته لكن الادارة الأمريكية بقيادة اوباما وظّفت بوتين لتخويف الشعوب المنتفضة , لكن ثورات الشعوب لم تتوقف, وعلى ذكر الشعوب تجدر الاشارة هنا ان كل انتفاضاتها الأخيرة في اكثر من مكان لم ترفع شعارات متطرفة وهي جميعها مع الملكية الخاصة وليست مع تقييد حركة الرأسمال لكنها تريد منه أن يقوم على مواهب الأفراد وجهدهما المستند الى تلك المواهب ,وكل مطالبها تتمحور حول دول مدنية تقوم ديمقراطيتها على أساس المواطنة وليس المحاصصة وهو ما لا يعجب كل الادارات التي استلمت السلطة في امريكا من الحرب العالمية الثانية وحتى الآن .
    لا يليق بالبشر هذا المصير ولا الاستمرار فيه.
    يتساءل الكثيرون الان . الم يكن العقل نقمة وليس نعمة علينا . الا يتحسر الكثير منا الان على تنظيم للحياة قائم على الغريزة شهدناه قبل ظهور العقل ؟ فلنتأمل تنظيم الحياة عند جماعات النمل مثلا . النمل له جيوش وكتائب وقوافل تعمل بشكل مشترك للتكيف مع الطبيعة حيث تجمع الحب في الصيف وتنقله الى مخازنها من اجل الشتاء من دون أي مشاكل فيما بين جيوشها وكتائبها وكذلك النحل ينظم حياته تنظيما بديعا في خلاياه.
    لا بديل عن العودة الى العقل والاحتكام للقانون الدولي , انا متأكد من ان كثيرا من اصحاب الرؤوس الحامية سيسخر من كلامي هذا فالحل برأيهم لن يكون الا عبر القوة ولا مكان للإنسانية ولا لقيمها واخلاقها في عالم السياسة الحالي , هي وجهة نظر احترمها واخالفها, ورّدي عليها ان كلامي هذا لا ينطلق من الأخلاق بل من مصالح الدول وبشكل خاص منها تلك الحضارية والمتطورة والمسماة عظمى . واذا كانت بعض تلك الدول تحلم بحرب عالمية ثالثة ستنتصر فيها بسبب تفوقها العسكري والاقتصادي وبعد ذلك ستبحث مع المنتصرين سبل الاصلاح في العالم كما جرت العادة سابقا فهي واهمة لأن الحرب القادمة لن يكون فيها رابح وخاسر او منتصر ومهزوم . سيكون الكل ان وقعت مهزومون بوجود قنابل نووية اذا انفلتت من عقالها ستحيل حضارتنا الى ركام خلال ايام . وفي احسن الأحوال قد تنتهي بعد سنوات او عقود من خلال انهاك كل الدول المتحاربة ومن ثم نعود الى فوضى عارمة او الى امبراطوريات كل واحدة منها مكتفية بذاتها كما كان الحال في القرون الوسطى . ومعروف من أوقف مسار العولمة الجديدة – التي اوصلتنا رغما عنا الى قرية كونية نتحرك فيها كبشر ضمن سوق واحدة تصل اليها سلاسل التوريد من كل جهة – حسب انتاج الجهة الموردة الملائم لتاريخها وبيئتها ومواردها- لأنه يريد استبدال القوة العسكرية بالقوة الاقتصادية.
    ان عمر عشرين سنة من هذا الكون ليست شيئا يذكر وبالتالي العودة الى بداية انطلاق العولمة وما رافقها من رياح تغيير ربما تبدأ هذه المرة بإصلاح هيئة الأمم المتحدة وجعلها حقا ضامنة للأمن والسلم الدوليين من خلال حل المشاكل بين الدول عن طريق الالتزام بالقانون الدولي وليس عن طريق الحروب .
    كل الحروب من اولها الى آخرها هي تذابح بين الاخوة في الانسانية والآتي أعظم اذا لم نستعمل عقولنا بما يخدم جميع الأنواع النباتية والحيوانية والانسانية .



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.