كيسنجر في دافوس – الجزائرية للأخبار


مشعل يسار
كاتب وباحث ومترجم وشاعر
(M.yammine)

لقد اعتاد العالم على أن كل ما يقوله هنري كيسنجر، وهو يبدو خالداً كإبليس خلود رب العالمين، يصبح على الفور محط اهتمام العالم وموضع نقاش من جانب المحللين السياسيين أجمعين.

وبخلاف النسور في السياسة الأميركية كان خطابه في دافوس في أيار/مايو 2022 مسالماً على الأقل ظاهريا، وإن كان اضطراريا. فهو حذر الغرب من محاولة هزيمة روسيا. وفي الوقت نفسه، قال إن من الضروري إجبار أوكرانيا على الدخول في مفاوضات بشروط روسيا في أقرب وقت.

لماذا قال هذا من حيث المبدأ؟ ولماذا الآن؟

أن نفسر ذلك برغبة هذا “الإنسان” في تحقيق السلام سيكون من السخف بمكان. فلم يكن هناك أي شيء إنساني في تاريخ عراب كمب ديفيد الذي أخضع مصر وكل العرب لهيمنة إسرائيل عبر فتح بوابات التطبيع معها على مصاريعها، ولن يكون فيه شيء من هذا القبيل وهو الآن في الطريق مباشرة إلى عالم الآخرة رغم كل عناد المختارين من “شعب الله المختار” في رفضهم وضع يدهم بيد ملاك الموت.
ولكنه بامتلاكه حدساً شيطانياً ومثلَه تبصراً شيطانياً لامعاً، يرى المستقبل المنظور أفضل من غيره من النسور. ورؤيته هذه بعيدة كل البعد عن أن تكون لصالح أولئك الذين يرغبون في “هزيمة روسيا في ساحة المعركة”.

إنه يفهم تمامًا أن الحفاظ على أوكرانيا كقاعدة لحلف الناتو متقدمة في مواجهة محاولة روسيا استعادة تاريخها المجيد ولو على الصعيد الجغراسياسي فقط لن يؤمنه أي دعم عسكري ولوجستي مهما بلغ حجمه. فمن المستحيل من حيث المبدأ هزيمة قوة نووية.
وهو لذلك يحاول، أولاً، إبقاء تلك الأراضي التي لم تخضع بعد لسيطرة روسيا في براثن حلف الناتو.
ويحاول، ثانيًا، درء حرب روسيا مع بولندا ومولدوفا وفنلندا ودول البلطيق السوفيتية سابقاً، وهي كلها ألغام وضعها الرأسمالي الغربي بقيادة اليانكي لمحاصرة روسيا وإضعافها ومن ثم تقسيمها ونهب ثرواتها الهائلة في أراضيها المترامية الأطراف، علما أن هزيمتها ستكون حتمية، أدخل الناتو الحرب مباشرة مع روسيا أم لم يدخل. وهذا مرة أخرى، لأن من المستحيل هزيمة قوة نووية.
وثالثًا، لكونه المهندس الرئيسي للتقارب في ما بين الولايات المتحدة والصين في السبعينيات من القرن الماضي من أجل فصل الصين وعزلها بعيدًا عن الاتحاد السوفيتي، فإنه يفعل كل شيء قطعا لمنع أي تحالف عسكري حقيقي اليوم بين هذين البلدين العظيمين، كنتيجة للأحداث الحالية في أوروبا عبر أوكرانيا.

إن رغبات ثعلب السياسة الأميركية الآتي من رحم الصهيونية بصفته عولميًا مفرطًاً في عولميته، وصانعا للسياسة الأمريكية على مدار الخمسين عامًا الماضية، مفهومة تمامًا وتستحق الاهتمام. لكنه هذه المرة لم ولن ينجح على ما يبدو في تحقيق خطته.

فالزعيم الأوكراني زيلنسكي المجبول من الطينة نفسها رفض اقتراح كيسنجر جملة وتفصيلاً وطالب الغرب بزيادة ضغط العقوبات على روسيا. ولم يأت منه أي تلميح إلى ضرورة سلام يكون لصالح روسيا. وهو لا بد يفهم أن حتى التلميح في هذا الاتجاه يعني الموت الجسدي بالنسبة له، أي التصفية من جانب “رفاقه في السلاح” وفصائل النازيين الأوكران الذين وُلّي عليهم ووُلّوا عليه من قبل الغرب الحربجي، لا سيما مجمع الصناعة العسكرية الأميركي كمستفيد أول. وليس من قبيل المصادفة أن تحدث زيلينسكي في دافوس وبعدها عن احتمال تصفيته. ويبدو أنه فهم من هذا المنظور مقترحات السلام مع روسيا التي كانت قد قدمت إليه أصلا من قبل فريق كيسنجر.

أما روسيا فلعلها لا ترى الآن فائدة من الذهاب إلى اتفاق سلام وهمي مع أوكرانيا، حتى في ما يتعلق بشروط ضم المناطق الواقعة تحت سيطرتها. لا سيما أن من يقاتلها ليس الأوكران بقدر ما هو ذاك الحلف الرأسمالي العتيق الرافض أن يخلي الساح لغيره من الناشئة الرأسمالية ولو جزئيا والحريص على أن يكون “أب الكل” الصارم والمهيمن على العالم أجمع. ولماذا تسعى روسيا إلى هذا السلام الملغوم إذا كان من الممكن التحدث قريبًا نسبيًا عن السيطرة على كامل أراضي أوكرانيا.

وهناك أيضا العامل الصيني. فتقارب القوتين النوويتين يسير بوتيرة غير مسبوقة، لا سيما بعد إعادة انتخاب شي زينغ بينغ وإضعاف الطابور الخامس الأميركي في الصين أيضا. ولكلا هذين البلدين الكبيرين مصلحة في تكامل عسكري واقتصادي ومالي لمواجهة الإمبراطورية التي بدأت تظهر للعيان تباشير أفولها كغيرها من الإمبراطوريات التي سبقتها بعد أن انضمت إلى مطلب تعدد القطبية كبرى البلدان الناشئة في أحضان رأسمالية تقليدية أكثر جاذبية لدى الشعوب والبلدان الأصغر إذ ترى فيه مصيرا معقولا ترعاه ديمقراطية الأقوياء الأغنياء بخلاف ذاك الذي يريد إفناء القسم الأعظم من البشرية بناء على استنتاج مالتوس والمالتوسيين الجدد أمثل شواب والملك تشارلز وملك الميكروسوفت والفيسبوك بيل غيتس وكل الرهط الأخضر الذي يريد أن يحفظ الطبيعة له ولأبنائه ولخلفه الأبعد ولنصف المليار الذهبي من أسياد ومن عبيد مماليك خُلّص. وهذا سواء أأراد كيسنجر ذلك أم لا.

وبما أن هذه العمارة الجديدة للعالم بعيدة كل البعد عن أحلام إبليس الذي لا يفنى، فهو يعمل جاهدا لدرء الأسوأ، أي انتصار روسيا انتصارا ساحقا ليس فقط على أوكرانيا، بل على الناتو وأوروبا وأرباب الحروب في الجزء الشمالي من الجزيرة الأطلسية، وليس فقط في ساحات المعارك الحربية. فالحروب الاقتصادية والمالية هي اليوم أكثر فعالية مع استحالة الانتصار في حرب نووية تفني الجميع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.