لماذا الاستهانة بكتابة التاريخ؟ – الجزائرية للأخبار


آزاد أحمد علي

التاريخ علم معقد، عكس بعض التصورات: بأنها سرديات وإعادة تجميع وترتيب للأخبار. لذلك سلاسة وسهولة قرأته تختلف كثيراً عن كتابته، فالتأريخ جهد معقد، وقلما يرتقي دارس تاريخ الى سوية المؤرخ. لذلك ما يثير القلق والدهشة أن عددا كبيرا من المهتمين والقراء وحتى النشطاء السياسيين يميلون مؤخراً الى كتابة التاريخ، ويستسهلون حقله، سواء من بوابة الاستمتاع بالروايات أو لإملاء الوقت، أو الافتراض بأنهم يقومون بجهد ابداعي. بل يجنحون حينا آخر لتوظيف المعلومات التاريخية وسردياتها المتجزأة في الاستعراضات السياسية.
ما استفدت من تجربتي الشخصية الطويلة وأود عرض جانب منها للإفادة أيضاً، أنني أحببت التاريخ منذ الصغر، قرأته بشغف، حتى حرفت مسار دراستي عن الرياضيات والتقنيات والانشاءات نحو حقله الشاسع. فمن الهندسة انتقلت في الدراسات العليا الى فرع يربط الهندسة بالتاريخ، فدرست الدبلوم في معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب سنة 1986، ومن ثم الماستر والدكتوراه. وقضيت كل فترة شبابي في قراءة أمهات الكتب التاريخية… قرأت كل ما توفر من كتب وأبحاث في حقل تاريخ العلوم الهندسية والتاريخ العمراني في مكتبات حلب ودمشق. عمقت الدراسة، اذ تخصصت في تاريخ وتطور تقنيات العمارة الطينية منذ العصور الحجرية. حتى توسعت في دراسة تاريخ وآثار الجزيرة الفراتية وكوردستان وسوريا وجوارهما.
أصدرت الكتب التالية: قرى الطين (دراسة تاريخية – هندسية) 2001، أنماط العمارة الطينية في الجزيرة الفراتية 2010، وأخيراً: القرى الطينية في شمالي سوريا 2022. كما كتبت العديد من الأبحاث عن تطور التقنيات الهندسية وعلاقتها بالمجتمعات المحلية وتاريخها… حتى وصلت لكتابة ما مجموعه مائتي ألف كلمة عن الجزيرة الفراتية (مجتمعاتها وعمرانها) فقط، قسم كبير منها مازال مخطوطا.
طلب عدد من الأصدقاء مني أن أنشر كتاب عن تاريخ الجزيرة، في حقل التاريخ العام، وهذا يعني التركيز على التاريخ السياسي. توقفت وانتظرت وتوسعت من جديد في القراءات، انتابني شعور بأنني مازلت غير ملم بشكل تام بتاريخ الجزيرة الفراتية ! (بل أبدو جاهلاً في بعض مفاصل تاريخها العام). واكتشفت أنني بحاجة لقراءة مئات الكتب والأبحاث الأخرى حتى أكون قادراً على القيام بهذه المهمة الصعبة، بمعنى أن أقدم ما هو جديد وأصيل وموثق علمياً يتجاوز ما سبق كتبه الآخرون.
استغرب
، بل أظل مصدوماً ، أنه بين فترة وأخرى تصدر بسرعة كتب هنا وهناك، في هذا الموضوع التاريخي أو ذاك، نعم كتب كبيرة الحجم! دون مراعاة لأبسط الأسس والمناهج العلمية في البحث والتأليف، حتى قبل أن يكتب صاحبها بحث واحد تم تقييمه علميا أو نشره في مجلة رصينة!
كما أن البعض الآخر بدافع نبيل أو تمضية لوقت ممتع، ينشرون بوستات ومقالات تتضمن فقرات من كتب أو معلومات مجتزأة عن تاريخ الكورد والجزيرة الفراتية، عن تاريخ سوريا والعراق أو الجزيرة العربية والاسلام… دون تخصيص للمكان وللفترة الزمنية بدقة، وربما دون الاستناد على أرضية أكاديمية أو قراءات مستفيضة.
لذلك أود القول بود: التاريخ ليس علماً سهلاً اطلاقاً، فتجميع معلومة من هنا وواحدة من هناك، بصرف النظر عن إشكالية المصادر والمراجع لا تؤسس لكتابة نصوص تاريخية علمية وموضوعية رصينة، فضلاً عن أن تكون جديدة وأصيلة.
حبذا توجهون طاقاتكم أو هواياتكم باتجاه آخر… وخاصة لم يعد توظيف تاريخ ما قبل الميلاد وما قبل الكتابة وما قبل انسان الكهف لأهداف سياسية راهنة: قومية أو عصبوية ضيقة مفيدا، ولا مقبولاً من زوايا علمية ومنهجية، الا اذا أراد أحدهم وأصر أن يسير على درب (المدرسة التوراتية في تفسير التاريخ واستغلاله ومن ثم تطويعه لأجندات سياسية معاصرة).
قراءة التاريخ متعة، لكن كتابته مسؤولية، يظل التاريخ حقل معرفي في الجوهر، وهذا ما ثبته قبل مئات السنين شيخ المؤرخين شرفخان البدليسي (فيها معرفة للناس).
إن لم يكن كذلك، أكرر بود لا تضيعوا أوقاتكم. ولا تتوهموا أنكم تكتشفون حقول معرفية جديدة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.