مقاييس التنمية الاقتصادية الحقيقية – الجزائرية للأخبار


محمود يوسف بكير مقاييس التنمية الاقتصادية الحقيقية

عبر تاريخ الفكر الإنساني خاصة في شقه الاقتصادي ظل وسيظل حلم الأنسان حيا في أن يحقق مجتمع العدالة والرفاهية والحياة الكريمة للجميع ولذلك تعاقبت أفكار ونظريات وتجارب لا حصر لها من أجل تحقيق هذا الهدف بالشكل المنشود بدون نجاح كبير، بل وأحيانا بإخفاق تام ومؤلم. أنظر مثلا إلى النظام الإسلامي الحالي في أفغانستان فبالتأكيد أن لدى المنظرين لهذا النظام من حركة الطالبان رغبة مخلصة في تحقيق مجتمع الرفاهة والعدالة للمواطنين هناك، ولكن المحاولة أنتهت بكوارث لا حصر لها وكانت ضحيتها الكبرى المرأة الأفغانية والتي تمثل نصف المجتمع وبالرغم من هذا سعت الحركة بكل همة لإلغائها وإخفائها من المجتمع تحقيقا لرؤية مذهب إسلامي بالي لا يصلح ولن يصلح إبدأ لإقامة مجتمع سعيد ومستقر. وكان هذا مصير كل الأنظمة التي قامت على أساس ديني أيًا كان دينها لأن الدين لا يعني أكثر من رجال دين يحتكرون تفسيره وتأويله بما يخدم مصالحهم ومصالح من في السلطة، ولم يعمل الدين أبدا عبر تاريخه بشكل فاعل لصالح أكبر المضحين من أجله وهم الفقراء. وفي هذا ليس هناك أدق مما قاله ماركس في وصفه للدين بأنه أفيون الغلابة. وبالفعل فإن كل ما يفعله رجل الدين لمساعدة الفقراء هو إعطاءهم خلطة أدعية. ولرجال الدين قدرة عجيبة على التعايش في سلام وانسجام مع كل ما حولهم من استبداد وفساد وكأن الأمر لا يعنيهم، ولذلك فإن دور الدين أخذ في التراجع ولم يبق منه في حياة الناس إلا الطقوس والاحتفالات الموسمية. ولو أننا بحثنا بعمق عن أسباب فشل الإنسانية في تحقيق حلم مجتمع الرفاهة والعدالة للجميع لوجدنا إن السبب الرئيس هو غريزة الأنانية والطمع التي خلق عليها الإنسان بالإضافة إلى غلبة النوازع العاطفية لديه على حساب العقلانية بمعنى أننا جميعا ننساق إكثر وراء عواطفنا وليس عقولنا ولا نتعلم من أخطائنا ونكررها عبر تاريخنا الممتد على هذا الكوكب.
ولو أننا تأملنا النظام الرأسمالي المهيمن والسائد في جميع دول العالم حاليا لوجدنا أنه نجح بالفعل في إخراج مئات الملايين من البشر من مصيدة الفقر عن طريق إطلاق العنان للحافز الفردي على الابداع والعمل بحرية تحت مظلة العولمة ولكن الثمن كان باهظا بسبب غريزة الأنانية لدى الانسان والرغبة المتوحشة في تحقيق أكبر قدر من الربح وفي أسرع وقت ودون إجراء أي حساب اقتصادي شامل لتكلفة هذا الربح، وكانت النتيجة نموا متواصلا وبلا هدف واضح سوى الربح والمزيد من الانتاج الضخم ودون أدنى مبالاة بآثاره المدمرة على الموارد الطبيعية المحدودة لهذا الكوكب الصغير ويتوازى مع هذا استهلاك فاق كل حدود الحياء والعقلانية ودون مراعاة لما ينتج عنه من عوادم ومخلفات وتلويث للبيئة أرضا وبحرا وجوا واضرار بصحة البشر وكل الكائنات الحية. إنها الأنا والطمع الذي أعمى بصيرة الناس عن إدراك أن ما يفعلونه لا يترك إلا الخراب والمعاناة لأولادهم وأحفادهم وأجيال المستقبل. ولذلك فإن الرأسمالية الحالية بحاجة إلى إصلاحات عديدة كما أوضحنا مرارا والتغاضي عن هذا يعني المزيد من الكوارث الطبيعية التي أصبحت تضرب بضرواة في جميع أنحاء العالم وهو ما يعني أن الطبيعة بذكائها الفطري تعبيء كل قواها واسلحتها للخلاص من إسوأ مخلوقاتها وهو الانسان. ولكننا لم نع هذا بعد وهو ما يذكرني بمقولة لإرنست هيمنجواي على لسان أحد شخوصه عندما سؤل كيف أفلس فأجاب (بشكل تدريجي وفجأة) وبتحوير مني فإن كل الأزمات تبدأ بشكل غير ملحوظ وبتراكم بطئ ثم تندلع فجأة وبعنف. وللأسف فإن العقل الإنساني لا يدرك هذا إلا متأخرا وغالبا بعد فوات الأوان.

أما عن جنة الشيوعية والتي كنت أعتنقها في شبابي فهي لا تقل سؤا عن الرأسمالية هذا إن لم تكن أسوأ حيث أنها ترى أن القيمة تتحقق في العمل وحده وليس في الابتكار أو التنظيم الجيد والإدارة باعتبار أن هذه خدمات لا قيمة لها، وهي أيضا مثل الرأسمالية تدعو إلى الإنتاج الضخم ، وكما كتبت مرارا عن الجوانب السلبية للرأسمالية خاصة فيما يتعلق بالسياسة النقدية فقد كتبت أيضا خاصة في حواري الأخير مع القراء عن الكثير من أوجه الخلل في الشيوعية وتعارضها على طول الخط مع طبيعة النفس البشرية وبينت أن مفهوم المساواة الكاملة فيها بين البشر لا يعدو أن يكون منح الجميع فرصة متساوية للفشل ،ولا داع للتكرار هنا ولكني فقط أضيف إلى ما سبق أن أوضحته من خلل واضح في مفهوم فائض القيمة ومفهوم المساواة الكاملة بين البشر، أن مبدأ الشيوع بشكل عام أو إتاحة استخدام أي مورد إقتصادي للجميع من باب المساواة يعني بالضرورة اجهاد أو استنفاذ هذا المورد بسرعة وذلك لأن كل فرد سوف يكون في سباق مع الآخرين لأخذ أكبر كم ممكن وفي أسرع وقت قبل الآخرين وقبل نفاذ الكم المعروض على الجميع في مساواة كاملة تنعدم فيها الملكية الخاصة ليأخذ كل فرد ما يريده مثلما نرى في عالم الحيونات عندما تلتهم فريستها بشكل جماعي حيث تنتهي منها في خلال دقائق، عكس الحال في مبدأ الملكية الخاصة التي تحفز الفرد على المحافظة وصيانة ما يمتلكه حتي يستمر في البقاء كمورد متاح له لأطول فترة ممكنة. وخلاصة هذه الفكرة أن الملكية الخاصة أفضل بمراحل من الملكية العامة فيما يتعلق بالحفاظ على الموارد الاقتصادية المحدودة ولذلك نجحت الرأسمالية في البقاء وهرولت كل الشعوب والأنظمة إليها بما فيها الاتحاد السوفيتي السابق والصين ودول حلف وارسو لأنها أقرب لفطرة الانسان في الامتلاك والتميز.
ومن الأشياء الهامة الأخرى هي أن معظم دول العالم تقيس مستوى رفاهية شعوبها من خلال مؤشر حجم الناتج المحلي الإجمالي ومتوسط نصيب الفرد منه بالرغم من أن هذا المؤشر الحسابي لا يبين حجم الفساد السائد في البلاد أو مستوى التعليم أو نوعية الرعاية الصحية التي تقدم للمواطنين خاصةً محدودي الدخل وهم يمثلون الأغلبية في البلاد الفقيرة.
وبعد ‏يمكنني أن أكتب المزيد عن أوجه القصور في الانظمة والنظريات والممارسات الاقتصادية المختلفة، ولكن ليس هذا الغرض من المقال وإنما الغرض منه هو البحث عن مقاييس ومعايير جديدة بدلا من الاستمرار في الاعتماد على مقاييس الناتج المحلي الإجمالي كمؤشر لرفاهية الناس خاصة في الدول الفقيرة لانعدام الدقة والعدالة في هذا. وهناك الآن جهود كبيرة في المجتمعات البحثية والأكاديمية في الغرب لاستخدام معايير أخرى أكثر دقة وشمولا لقياس مستوى الرفاهة الاقتصادية والاجتماعية سواء في الاقتصاديات النامية أو الآخذة في النمو. ومن هذه المعايير آلتي نتحدث عنها ما يلي: مدى جودة التعليم الإلزامي والجامعي، مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين في المستشفيات الحكومية، حجم الفساد واستغلال النفوذ للتربح، مدى إتاحة فرص العمل بشكل عادل بين الشباب، الاستقرار ونوعية النظرة إلى المستقبل، ‏مدى حماية الناس من الغش والاحتيال، مدى انتشار مبدأ حرية التعبير والاعتقاد، مدى كفاية ما تقوم به الحكومة من دعم الفقراء، مدى الاعتناء بالطبيعة ومحاربة التلوث …. إلى آخره،
وباعتبار ‏أننا نتعامل مع بشر وليس مع أرقام أو جماد فإن أفضل الطرق لقياس مشاعر وآراء الناس حول المعايير السابقة يكون من خلال الاستفتاء على ما سبق ذكره واستخدام معايير نوعية أو كمية أو كلاهما في قياس وتحليل استجاباتهم لتحديد ما ينبغي عمله وتقديم السياسات العامة الملائمة لتحسين مستوى رفاهية الجميع. وكمثال عملي على هذا يمكن أن يكون تقييم السؤال ‏الخاص بنوعية النظرة إلى المستقبل من خلال اختيار الرقم الذي يراه المواطن بشكل كمي من مستوى ١ إلى ١٠أو بشكل نوعي من خلال اختيار الإجابة التي يراها على نفس السؤال السابق بين الخيارات: مظلم أو باهر أو ملبد بالغيوم وهكذا. ‏ثم نقوم بإعطاء وزن مرجح لكل سؤال بحسب أهميته وهذا سهل إحصائيا للوصول إلى متوسط إجمالي لمستوى الرفاهية التي يتمتع بها الناس حسبما يرون وليس كما ترى الأنظمة الحاكمة.
والخلاصة ‏أننا لا نحلم وإنما نتحدث عن شيء ممكن وبدأ تجريبه بالفعل هنا في الغرب لمعرفة مدى رضى الناس عن حكوماتهم وحياتهم. إننا نسعى إلى تغيير واقع شعوبنا المزرى إلى واقع أفضل وبشكل تدريجي حتى لا يستمر إحساس المواطن العربي بالغربة في بلده ويسعى إلى الهروب إلى الخارج وبدون هذا السعي للتغيير نحو الأفضل لن نتقدم أبدا إلى الأمام ولن نتحرر من الاستبداد والظلم. إن كل ما نحتاجه هو قيام الأحزاب وقوى المجتمع المدني بالترويج لهذه المفاهيم وزيادة وعي المواطنين بحقوقهم وتقديم تشريعات وقوانين جديدة تهدف بالأساس لتفعيل دولة القانون ولحماية حقوق الانسان الأساسية وحماية البيئة والطبيعة منه.

‏‏‏محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.