مقومات بناء الدولة 2 الاقتصاد القوي


سيامند حسين إبراهيم

لطالما ارتبط ترحال وانتشار البشر بالبحث عن الموارد الاقتصادية من أجل تأمين الغذاء والماء ولطالما كانت حروب البشر على الأماكن الثرية من الناحية الزراعية والمائية لأن تلبية الاحتياجات الاساسية للإنسان تأتي أولاً و أول هذه الاحتياجات هو الغذاء والماء. ولهذا انقسمت أساليب حياة البشر حسب نوع غذائهم والذي كان يتشعب إلى عدة أقسام فكان هناك من يعتمدون على الزراعة واختاروا ضفاف الأنهار والمناطق الخصبة للزراعة وهناك من اعتمدوا على الرعي واختاروا السهول الرعوية والبوادي وهناك من اعتمدوا على صيد البر أو البحر واختاروا الغابات وسواحل البحار وهناك من اعتمد على عدة أنواع فاختاروا مواقع متداخلة بين كل ما سبق ولكن عموماً فإن كل الحروب التي كانت تحدث كان سببها اقتصادياً وهو التنافس على الموارد الاقتصادية بين هذه المجموعات.
التاريخ والحاضر لديهما رسالة واحدة عن الاقتصاد وهي الدولة القوية هي التي تتحكم بالموارد الاقتصادية في أي منطقة كانت رغم كون هذه الرسالة تتشعب إلى عدة مواضيع منها إن انهيار أي دولة يرتبط بضعف اقتصادها ورفاهية شعبها مع وجود استثناء بما يخص انهيار دول غنية جدا حيث وصلت للرفاهية المطلقة ولكنها انهارت بسبب البطر أو السرف الزائد وإهمال العسكر والجيش والوصول لمرحلة الفساد المطلق في المال وهذا دائما ما يطمع الجيران بهذه الدول ويؤدي إما لاحتلالها أو لانهيار اقتصادها وتحولها لإمارات صغيرة متناحرة كما حدث في الأندلس أو مع الدولة العباسية.
الاقتصاد يعتمد على أُسس ومعايير كثيرة أهمها توفر المواد الأولية وسهولة استثمارها وتوفر اليد العاملة الخبيرة ووجود سوق للتنافس مع وجود معايير جودة عالية مع وجود قوانين تحمي التجار والعمال مع وجود دعم حكومي للمنتج المحلي مع وجود قوانين تحمي المستهلك، هذه الاُسس تبدو بسيطة ولكنها معايير وعناوين للنجاح إليكم أمثلة عنها.
صناعة الدواليب تحتاج الى النفط ولكن تايلاند تصنع افضل الدواليب في العالم عن طريق استيراد البترول واستخراج المطاط الصناعي منه بالإضافة إلى الأسلاك المعدنية والكربون الأسود والسيليكون، توفر معظم المواد في تايلاند عدا النفط لم يمنعها من انتاج الإطارات ولكن اذا زرت تايلاند ستجد بأن القطاع الزراعي يحتل أهمية كبرى فيها حيث زراعة الأرز والخضار بالإضافة لكونها من اكبر مصدري الاخشاب وثاني اكبر مصدر للجص بعد كندا بالإضافة إنها من إحدى الدول القوية جدا بإنتاج الالكترونيات. بنظرة سريعة يمكننا القول بأن دولة كانت تعتبر فقيرة ومنسية تحولت لدولة ذات اقتصاد ضخم عن طريق استغلال مواردها بشكل كامل مثلها مثل ماليزيا وإندونيسيا وغيرها من الدول النامية.
أحد ركائز الاقتصاد في الدول القوية هو شبكات الطرق الترانزيت الكثيرة والمعبدة بأفضل التقنيات حيث إن طرق الشاحنات التجارية لا تقف وهي مدعومة بجسور وأنفاق للمشاة كي لا تقف حركة التجارة ناهيك عن امتلاك تلك الدول لمطارات ضخمة جدا تقلع الطائرات منها وإليها وكأنها خلية نحل لدرجة أن مطارات بعض تلك الدول يأتي إليها مسافرون وطائرات شحن بما يفوق عدد سكان تلك الدول مثلا يبلغ عدد سكان دولة الإمارات ما يقارب العشرة مليون نسمة بينما استقبل مطار دبي وحده تسعة وعشرون مليون مسافر في عام ألفين واثنين وعشرين. لاحظ الفرق الهائل بين سكان الدولة الساحلية وبين عدد الأشخاص الذين استفادوا من مطارها أما في زيارة لتلك الدولة أو كدولة عبور. شبكات القطارات في الدول الصناعية كالصين واليابان وأمريكا وروسيا وألمانيا تشبه خطوط سير النمل المتشعبة والتي لا تقف حيث وصل الأمر بكندا لاختراع قطار تبلغ سرعته ألف كيلومتر في الساعة وهذا ينافس الطائرة ويتجاوز قطارات الصين ذو ٦٠٠ كم وكل هذا من أجل التجارة ونقل الركاب والبضائع بأسرع وقت كي تصل الى سوق الاستهلاك وينتج المعمل بضائع اكثر.
اليد العاملة الخبيرة كما ذكرناها تبدو كلمة خبرة يد عاملة لنا غريبة نوعاً ما فقد تعودنا على أن يذهب المتعلمون منا الى الجامعة لدراسة مادة ادبية ثم التوظف والعيش على معاش وليس راتب مغري او الذهاب الى قسم علمي ودراسة الطب والصيدلة والعمل في عيادة أو صيدلية. بينما يتعلم الفلاح في الدول المتقدمة لعامين على كيفية تخصيب التربة الزراعية وكيفية سقايتها والاستفادة من السماد الطبيعي وكيف انشاء دورة زراعية واختيار المحصول المناسب حسب نوعية التربة.
من أهم ركائز الاقتصاد المتكامل والقوي هو دعم الحكومات لقطاعاتها الزراعية والصناعية والتجارية حيث إن الدول الناجحة تقدم البذار والسماد للفلاحين بالمجان او بالاقساط أو بالدين وذلك على مبدأ مقولة (هارون الرشيد الذي رأى سحابة سوداء فتوقع ان تمطر على بغداد ولكن السحابة تغير اتجاهها وذهبت وأمطرت في مكان آخر فقال إذهبي حيثما شئت فإن خراجك واردٌ إلي) وهذا لاتساع دولته لأنه يحكم اقتصاد دولته وهكذا تكون الدول الناجحة الكبرى اليوم فأي حبة قمح تنتج في تلك الدول ستصب في اقتصادها إما طحينا وخبزاً او معجنات او علف للحيوانات أو ستصدرها للخارج وتأخذ مقابله عملة صعبة هذا عدا دعم تلك الدول لمصانعها الكبرى الخاصة لدرجة بأن سفراء ووزراء خارجية الدول الصناعية يصحبون معهم ممثلين عن هذه الشركات والمصانع للدول المضيفة المليئة بالموارد من اجل اعطاء تسهيلات وفرص لتلك الشركات في هذه الدول النامية والفقيرة لانه بالنهاية فإن نجاح تلك الشركات في التسويق والإنتاج هو قوة لاقتصاد الدول الأصلية حيث ستفرض الدولة ضرائب بالملايين والمليارات عليها كضريبة تجارية وهو مال مجانية سيصل لخزينة الدول عن طريق فتح شركة خاصة لفرع لها على اراضي دولة اخرى اي ان الدولة الاصلية لم تخسر شيئاً بل ربحت من لا شيء.
حقيقةً إن كل ما سبق هي ركائز ودعائم لقوة الاقتصاد ولكن أهم ميزة للاقتصاد العملي والناجح هو القوانين الناظمة للحياة التجارية والاقتصادية حيث إننا نجد في الدول الديكتاتورية وجود عدة حيتان يتحكمون بأرزاق البلاد والعباد ويحتكرون لقمة العيش وكل المجالات ويجعلون من السكان عمال وفلاحين لدى الحيتان التي تحكم البلاد كما يحكم الحوت الأسماك في المحيط، بينما في الدول الحقيقية والتي تستحق كلمة دولة واقتصاد متكامل هناك قوانين للاستيراد والتصدير اهمها هو مصلحة المواطن أولاً ويجب استيراد أفضل المواد والبضائع وثانيها هو حماية المنتج المحلي بالاضافة الى قوانين الضرائب حسب المدخول وليس حسب الواسطة وعدم تدخل الدولة في صراعات الشركات الاقتصادية وعدم تحول الضباط الى شركاء للتجار اضافة الى فتح باب الاستيراد والتصدير للجميع.
نهاية كما قلنا في البداية الدولة المكتفية ذاتياً لن تنهار في الحروب وذلك لأن شعبها سيدافع عنها فهو لن يشعر بالظلم والجوع وثانياً لن تؤثر المعركة على السكان ولن يعيشوا في مجاعة بسبب انقطاع الموارد عنهم بسبب الحصار وهذه من أهم أسباب الخسارة،
فالشعوب تدعم الحكومات عندما تشعر بالشبع والعدل والأمان.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.