نماذج أستاذ الجامعة – الجزائرية للأخبار


أحمد فاروق عباس

فى المهنة التى أنتمى إليها ، هناك نماذج مختلفة ، ومثلها مثل أى مهنة أخرى ، يعمل بها ويمارسها بشر ، وبها كل ما فى البشر من نوازع الخير والشر ، ونزوع إلي المُثل العليا ، أو تهاوى إلى التكالب على الحياة ومغانمها ..
وفيها نماذج متعددة ، وهى نماذج تمثل صورة الحياة باختلاف مراحلها وتقلباتها ، وتطور الزمن وما يفعله بالمهن ، كما يفعل فعله فى كل شئ آخر ..
وهذه بعض من تلك النماذج :
١ – نموذج ” محطِّم التقاليد ” الذى – ربما – يتحول مع مرور الزمن إلى رجل محافظ : وأبرز امثلته طه حسين ، الذى بدأ ثائراً وانتهى محافظاً ، فالرجل الذى بدأ حياته العلمية بكتابه العاصف ” فى الشعر الجاهلى ” الذي وصل فيه إلى نقاط لم يصل إليها شرقى من قبله فى النظر إلى التاريخ والدين ، نفس ذلك الرجل هو من كتب بعد ١٠ سنوات كتب مثل الفتنة الكبري والشيخان ، وتوقف العقل الكبير فى المنتصف خوفاً ورهبة من رد فعل الجماهير والمؤسسات معاً ، ومشى – كما غيره – فى طريق السلامة حتى آخر حياته ، ومثله وإن بدرجات أقل لمعاناً شخصيات جامعية مثل منصور فهمى ، ونصر حامد أبو زيد ، وهذا النموذج وإن كان شائعاً فى جامعات الغرب – حيث الحرية الفكرية فى الجامعة مقدسة ، ولا يستطيع من هو خارجها من الجماهير أو المؤسسات الدينية أو السلطة العبث بها – إلا أنه ليس شائعاً فى الشرق ..
تنتشر هذه النماذج فى الغرب وتقدم اسهاماتها ، وتضفى على الحياة الفكرية ومعها الحياة السياسية وكافة أوجه الحياة نوع من الحيوية ، والجدل والنقاش الهادئ أحيانا والصاخب أحيانا أخرى ..

٢ – نموذج ” المتفاعل مع محيطه ” فكراً وعملا ، ومن امثلته الدكتور لويس عوض أستاذ الأدب الانجليزى بأداب القاهرة ، وقد نشر د لويس فكره وترك أثره في جامعته أولاً ، وكان مثلاً يأخذ طلبته بعد المحاضرات للاستماع فى جلسات الجرامفون إلى الموسيقى الكلاسيكية العالمية ، محاولاً تربية وجدانهم بعد تربية عقولهم ، والانتقال من أشعار كيتس و ت اس اليوت ، وأدب برنارد شو وديكنز إلى موسيقى فاجنر وبيتهوفن وشوبان ، وبعد صدامه مع السلطة عام ١٩٥٤ تم فصله من الجامعة ، ليعمل بعدها مشرفاً على صفحة الرأى فى الأهرام ، ويفعل في الصحيفة الكبرى ما فعله فى الجامعة الكبيرة ، ومن ذلك النموذج أيضاً شخصيات مثل الدكتور عبد العظيم أنيس أستاذ الرياضيات بعلوم عين شمس ، وأحد أقطاب الحركة الاشتراكية والثقافية فى مصر من الخمسينات إلى التسعينات ، ومثله الدكتور أنور عبد الملك ، والدكتور غالى شكرى ، والدكتور جلال أمين أستاذ الاقتصاد فى الجامعة الأمريكية وغيرهم ..

٣ – نموذج ” القابع في صومعته ” ، الذي ترك الدنيا وما فيها ، وأغلق على نفسه باب بيته قارئاً وباحثاً ثم مخرجاً لمؤلفات عظيمة القدر ، وتاريخنا كله ليس به سوى شخص واحد ، كانت لديه الطاقة النفسية والعقلية لفعل ذلك ، وهو الدكتور جمال حمدان ، أستاذ الجغرافيا بجامعة القاهرة ، الذي عاد من بعثته في لندن ليعمل فى جامعته لسنوات معدودة ، يعود بعدها بعد صدامه مع قيادات الكلية والجامعة إلي بيته ، وليتفرغ إلى أعماله الكبيرة مثل : أنماط من البيئات ، واستراتيجية الاستعمار والتحرير ، ثم عمله الخالد ” شخصية مصر .. دراسة فى عبقرية المكان ” فى أربعة أجزاء ، وعدد صفحات تعدى أربعة ألاف صفحة ونصف ..
وقد تجاوز أثر د. جمال حمدان ألاف الطلاب الذين كان من الممكن أن يدرس لهم لو كان موجوداً فى كليته ، إلى التأثير فى عقول الملايين من أبناء مصر ، لقد كان رجلاً عظيماً ، ومازال وسيظل ..

٤ – نموذج ” الباحث عن المناصب ” ..
أساتذة الجامعة فى الدنيا كلها ينتمون إلى فئة الفنيين أو التكنوقراط ، ولا ينتمون إلى فئة السياسيين ، وفى الغرب مثلاً يعمل كثير منهم فى الإدارات والوزارات المختلفة فى نطاق تخصصاتهم كخبراء ، ولمدد محددة ، أما المناصب السياسية فلم يكن من العادة أن يتولاها أساتذة الجامعة ، باستثناءات محدودة جداً ، مثل الدكتور هنري كيسنجر ، الذى درس المحاسبة فى بلده ألمانيا ، ثم بعد هجرته إلى أمريكا درس العلوم السياسية والتاريخ ، وكتب رسالته للدكتوراه عن مترنيخ وصنع السلام بعد الحروب النابوليونية ، ليعمل مستشاراً فى حملة روكفيلر للرئاسة عام ١٩٦٨ ، وعند سقوطه عمل مع منافسه ريتشارد نيكسون مستشارا للأمن القومي ، ثم وزيراً للخارجية ، وهو نموذج غير متكرر في الغرب كثيراً ، لكنه نموذج متكرر – جداً – عندنا فى مصر ، والسبب أن وعى الطبقات الاجتماعية ونموها لم يصل إلى درجة تكوينها لأحزابها التى تدافع عن مصالحها عن طريق التنافس على سلطة القرار في الدولة ، واستئجار السياسيين الذين يمثلون تلك المصالح ويعبرون عنها ، ويعملون كرؤساء للجمهورية أو وزراء أو رؤساء محافظات ، ولما كان ذلك متعذراً فى مصر لعدم توفر شروطه الموضوعية ، كان اللجوء إلى ” الخماسى الشهير ” الذي يتولى أغلب المناصب السياسية فى مصر وهم : العسكريون – أساتذة الجامعات – الأمنيين – رجال القضاء – كبار موظفى الجهاز الإداري للدولة ( ومنهم مهن مثل المهندسين / الأطباء / الكيميائيين / الزراعيين … إلخ ) ..
ومن هنا كان تطلع فئات من أساتذة الجامعة إلى العمل السياسى ، وتولى مناصبه الكبيرة ، وقد لعبت تلك الكأس برؤوس كثيرة ، أكل كثيرون منها الشهد ، وذاق كثيرون منها الدموع ..

٥ – نموذج ” أستاذ الجامعة الموظف ” ..
وليس فى ذلك تقليلاً من قيمة أحد ، فكلنا عشنا ونعيش في هذه المرحلة ، ولكنه تعبيراً عن ظاهرة تنفرد بها الجامعات المصرية ، وهى كثرة الأعباء الإدارية والتنظيمية على كاهل أستاذ الجامعة المصري طوال العام ، فمن العمل في التدريس ، إلى إعداد الامتحانات ، إلى الإشراف المباشر عليها ، إلى العمل في الكنترولات حتى ظهور النتيجة ، وامتحانات التخلفات والتصفية ، ثم الإعداد للعام الدراسي الجديد من وضع الجداول وطبع الكتب … إلخ ، وهى مهام تستنزف قدرات أستاذ الجامعة العقلية والصحية ، ويجب القول أن الكثرة الغالبة من أساتذة الجامعة المصريين يدخلون ضمن هذه الفئة ، وهم ملح الأرض للجامعة المصرية ، وعلى أكتافهم وبمجهودهم تقوم الجامعات المصرية وتعمل ، وإن كانت اعباءهم الوظيفية تمنع امتداد اثرهم خارج حدود جامعاتهم ..

٦ – نموذج ” أستاذ الجامعة المهاجر ، أو الباحث عن المال ” ..
وليس فى ذلك ما يشين أيضاً ، فكلنا يعلم طبيعة وصعوبة الحياة فى مصر ، وكثرة أعباء الحياة المادية ، وهو ما فتح الباب أمام عشرات الآلاف منهم للعمل في الخارج ، ويعرف أساتذة الجامعة فى العالم المتقدم السفر إلى مهام علمية ، ولكن غيرهم يسافر بحثاً عن المال ، يرمم به حياته ، ويدفع به غوائل الزمن وتقلباته ..
.. وفى النهاية ، أي من تلك النماذج أفيد ، والأهم .. أيهم أبقى ؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.