هل الخوف هو السبب ؟!


أحمد فاروق عباس

كان معروفا للجميع أن الألعاب البهلوانية التى تلعبها بعض الدول الأجنبية ضد مصر ، مع بعض الارجوزات التى تحركهم ، وقنوات فضائية فتحتها لهم لن تؤدى إلى أى شئ ..

وانها أقرب إلى محاولة للضغط على أعصاب صانع القرار المصرى لتليين موقفه فى قضايا معينة منها إلى انتظار شئ جدى ..

وكان سبب ذلك الآتى :
١ – أن المصريين تعلموا من الماضى القريب ، وفهموا دروسه وعبره ، وباستثناء قلة بلهاء تنتمى الى تنظيمات مغامرة عينها على السلطة ، ووراءها مخابرات دول أجنبية تسند ظهرها وتقوى عزمها فإن الشعب المصري كانت عينه على بلده وخوفه كله عليها ..

١ – أنه برغم الظروف الاقتصادية الصعبة ، فإن فهم الكتلة العاقلة – وهى الجزء الأكبر من المصريين – كان حاضرا ، متفهما للصعوبات ، وبرغم أن للكثير منهم ملاحظات ، فإنها ملاحظات من داخل الكتلة الوطنية وليست من خارجها ..

وكان متوقعا قبل اليوم الذى حددته الدول الأجنبية وجرى بعدها على ألسنة رجالها في الفضائيات التى فتحتها لهم أنه لن يحدث شئ ، ربما يتم تجهيز صور لمظاهرات قديمة والقول بأن الشعب كله فى الشارع الآن ، أو كما فعلوا عام ٢٠١٩ من إخراج بعض الصبية والأطفال فى شوارع وازقة بعض القرى والأرياف والقول بأن الثورة – ثورة الأطفال – تزلزل عروش الطغاة !!

لذا تم تجهيز الرد مسبقا ، وهو أن قبضة السيسى الأمنية هى السبب ، وأنه لولا الدولة البوليسية لتدفق الناس على الشوارع بالملايين ، ولكن الخوف هو ما منعهم !!

فهل هذا صحيح ؟
لا .. ليس صحيحا ، ولعدة أسباب ..

١ – أنه لا يوجد شئ فى الدنيا يمنع شعبا بأكمله قرر أن يتحرك ضد سلطة ما ، ومهما بلغ جبروت هذه السلطة فهى غير قادرة علي حبس عشرات الملايين في اقفاض من حديد تمنع وتقيد حركتها ..

لو كان الأمر كذلك لاستطاعت سلطات الجيش البريطانى – وهو الجيش الأقوى فى العالم وقتها – أن تمنع ثورة المصريين عام ١٩١٩ ..

أو استطاعت السلطة حتى ان تمنع خروج المصريين من الإسكندرية إلى أسوان في مظاهرات الطعام في يناير ١٩٧٧ ..

ولاستطاع حبيب العادلى وحسنى مبارك منع المصريين من الخروج فى يناير ٢٠١١ ..

ولاستطاع محمد مرسى ، وكان معه مليشيات الإخوان وباقى الجماعات الإرهابية المسلحة – وقد ذكر خيرت الشاطر وقتها أن عددهم يفوق ١٠٠ ألف مسلح – منع الشعب المصري من الخروج فى يونيو ٢٠١٣ ..
لا أحد يستطيع منع شعب قرر الخروج والثورة اذا اقتنع وآمن ..

٢ – أن قادة الحراك الذى يطلبون من الشعب الخروج مجموعة من الناس يصدق فيهم القول المأثور : اذا كان هؤلاء هم أصدقاءك فما حاجتك إلى أعداء !!
فهم أسوأ دعاية لأية قضية ، عادلة أو حتى ظالمة ..
وصفاتهم الشخصية ، ونوعية اخلاقهم ، وحديث لسانهم يدل بيسر على حقيقة أى نوع من الناس هم ..

٣ – أن كتلا كبيرة من الشعب ، وبرغم أى ظروف اقتصادية صعبة مازلت مقتنعة بالرئيس السيسي ، مقدرة لجهده الكبير ، وغير ناسية ما فعله لإنقاذ هذه البلاد ، وهى فى اللحظات الحرجة لن تقل له اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا منتظرون ..

ثورة أخرى – ثامنة او تاسعة – مرت اليوم دون أن يراها المصريون كالعادة ، منذ أن بدأت قصة تلك الثورات التى تحدد مواعيدها على شاشات الفضائيات ومواقع التواصل ، دون أن يراها الناس فى حياتهم ..

وهم لن يتوقفوا طبعا ، لأن من وراءهم لن يتوقف ، ومطالبه من مصر لن تتوقف ..
لذا موعدنا مع الثورة القادمة .. الثورة العاشرة أو الحادية عشر !!

الرئيس السيسي ..

ومشكلة الرئيس السيسي الأساسية أنه أتى فى زمن اضطرابات كبرى في مصر ، وكان له فى تلك الاضطربات رأى وفعل ، وكان فعله هو ما قلب الموازين كلها فى مصر ، ففى رأى البعض – وأنا واحد منهم – أن فعله أنقذ مصر من أسوأ مصير يمكن أن تصل إليه فى تاريخها المعاصر ، ومن وجهة نظر آخرين أن فعله اجهض الديموقراطية فى مصر ، وحرم الإخوان من حقهم في الحكم ..

وكلا الطرفين له حججه ودفوعه ، وليس هنا مجال مناقشتها ..

ومن هنا فإن السيسي نوع من الرؤساء وراءه مواريث لا يمكن اغفالها ، فبينما يحفظ له كثيرون الجميل ، يطلب آخرون رأسه ثأراً وانتقاماً ..

لذا فالاستقطاب حوله حاد ، والاختلاف عليه يصل مع البعض إلى حدود الدم والقتل !!

ليس رئيسا عاديا هو إذن ، ولكن تجربته فرضت عليه أثقالها ، وحملته بما ليس فى طاقة رئيس عادى التعامل معه ..

لذا فلدى اعتقاد راسخ أن من يكره السيسي قد قرر ان يكرهه حتى لو أصبح سعر الدولار ٢ جنيه ، وأن من يقف بجانب السيسي قرر الوقوف بجانبه حتى لو وصل سعر الدولار ١٠٠ جنيه ..

وما سعر صرف الدولار مقابل الجنيه – والموضوع الاقتصادى برمته وليس فقط سعر الصرف – إلا حجة يستخدمها الطرفان فى إثبات وجهة نظرهما ، مع تطورات سعر الصرف انخفاضا أو ارتفاعا ..

وكلامى ينصب على الفئات المسيسة في الشعب ، وليس على فئات لا تعنيها السياسة بقدر توفير أسباب الرزق لها ولأسرها ..

وحتى بين هؤلاء لن تعدم وجود طوائف كثيرة تفهم الأمور على حقيقتها ، وتعرف حقيقة الأوضاع في عالم شديد الاضطراب ، وصل التضخم في بعض البلاد الكبرى إلى مستويات قياسية ، واختفت سلع بأكملها من دول أخرى ، واضطرت بريطانيا ” العظمى ” إلى تغيير ثلاث حكومات خلال شهرين فقط ، من حكومة بوريس جونسون إلى حكومة ليز تراس إلى حكومة ريشى سوناك ، ولا يبدو فى الأفق أى أمل ، لأن الازمة أكبر من الأشخاص ، مهما كانت كفاءتهم ..

الظرف العالمى واضح أمام الجميع ، وتأثيره على الكبير قبل الصغير من دول العالم لا يحتاج بيان ..

وفى مصر حدث بها ما حدث في غيرها ، ارتفاع فى الأسعار ، وانخفاض في قيمة الجنيه ، وهى فرصة كبيرة لأطراف لها مع الرئيس السيسي ثأر لن ينسونه ولو بعد مائة عام ، وقد اعطتهم ظروف العالم المضطربة فرصة لن يتركوها ..

الغريب أن سعر صرف الليرة التركية – وتركيا هى قبلتهم الآن قبل الكعبة – انخفض في السنوات الخمس الماضية أكبر من انخفاض الجنيه المصري ، ولم يتكلم أحد عن أى أخطاء ، بل كان التفهم وتقديم الأعذار لسان حال الجميع ..

الجميع يعلم أن الموضوع بالنسبة لهؤلاء ليس الاقتصاد ، ولكن يدخل في صلب السياسة مباشرة ..

وبرغم كل شئ فإننى أعتقد أنه بأى مقياس عادل فإن رصيد الرئيس السيسي الاقتصادى الجيد أكبر بكثير من رصيده السلبى ، وأن اى تقييم منصف يأخذ فى اعتباره ظروف مصر كلها فى العشرين سنة الأخيرة – وخاصة السنوات العشر الأخيرة منها – سيضع السيسي فى موضعه اللائق كأحد الشخصيات العظيمة في تاريخ مصر المعاصر ..

لم يستلم السيسي مصر وهى قوة كبرى اقتصاديا ، بل ألقت إليه الظروف بدولة قامت بها اضطرابات كبرى في العقد الأول من هذا القرن ، انتهت بثورة في ٢٠١١ ، ثم وصول تنظيم اممى عابر للوطنية ، ارهابى النزعة ، منغلق العقل لحكم البلاد ، استلزم التخلص منه ثورة ثانية ، ثم تبتعها اضطرابات كبري استمرت لست سنوات ما بين عمليات إرهابية ، وعداء دولى ، وانهيار فى مرافق البلاد الإنتاجية والخدمية ، وتوقف السياحة ..

وعندما التقطت البلاد أنفاسها جاءت قصة كورونا وتوقفت حياة العالم كله لسنتين كاملتين ( ٢٠٢٠ – ٢٠٢١ ) ومع انحسار كورونا وجد العالم نفسه في خضم أزمة ، ثم حرب بين القوى الكبرى في العالم ، على الأرض الأوكرانية ..

لا أصادر على رأى أحد ، ولكل إنسان أن يرى ما يشاء ، ومن يرى السيسي مخطئ هو حر فى رأيه ، ومن أراد النزول ضده فلينزل ، وقد حدد الإخوان ومرشدهم الجديد المقاول الفنان محمد على يوم ١١/١١ للنزول ، وقد كانت فرصة لمعرفة رأى الشعب الحقيقى بدلا من كلام الفضائيات أو الفيس بوك وتويتر ..

أما عن رأيي أنا الشخصى فيه ، فمازلت أراه كما رأيته أول مرة ظهر فيها ، وقال كلمته في حوادث مصر وظروفها المضطربة : رجل شريف .. فى زمن عز فيه الشرف .



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.